* ( أَ ولَمْ يَرَ الإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناه مِنْ نُطْفَةٍ ) * هذه الآية وما بعدها إلى آخر السورة براهين على الحشر يوم القيامة ، ورد على من أنكر ذلك ، والنطفة هي نطفة المني التي خلق الإنسان منها ، ولا شك أن الإله الذي قدر على خلق الإنسان من نطفة قادر على أن يخلقه مرة أخرى عند البعث ، وسبب الآية أن العاصي بن وائل جاء إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم بعظم رميم فقال : يا محمد من يحيي هذا ؟ وقيل إن الذي جاء بالعظم أمية بن خلف وقيل : أبي بن خلف فقال له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : اللَّه يحييه ويميتك ثم يحييك ويدخلك جهنم * ( فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) * أي متكلم قادر على الخصام يبين ما في نفسه بلسانه * ( وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ) * إشارة إلى قول الكافرين : من يحيي هذا العظم * ( ونَسِيَ خَلْقَه ) * أي نسي الاستدلال بخلقته الأولى على بعثه ، والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول أو الترك * ( وهِيَ رَمِيمٌ ) * أي بالية متفتتة * ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * استدلال بالخلقة الأولى على البعث * ( وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) * أي يعلم كيف يخلق كل شيء ، فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد فنائها ، والخلق هنا يحتمل أن يكون مصدرا أو بمعنى المخلوق * ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً ) * هذا دليل آخر على إمكان البعث ، وذلك أن الذين أنكروه من الكفار والطبائعيين قالوا : طبع الموت يضاد طبع الحياة فكيف تصير العظام حية ؟ فأقام اللَّه عليهم الدليل من الشجر الأخضر الممتلئ ماء ، مع مضادة طبع الماء للنار . ويعني بالشجر زناد العرب وهو شجر المرخ والعفار ، فإنه يقطع من كل واحد منهما غصنا أخضر يقطر منه الماء ، فيسحق المرخ على العفار فتنقدح النار بينهما : قال ابن عباس : ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب ، ولكنه في المرخ والعفار أكثر .
* ( أَ ولَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) * هذا دليل آخر على البعث ، بأن الإله الذي قدر على خلق السماوات والأرض على عظمهما وكبر أجرامهما قادر على أن يخلق أجساد بني آدم بعد فنائها ، والضمير في مثلهم يعود على الناس * ( وهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ) * ذكر في هذين الاسمين أيضا استدلال على البعث ، وكذلك في قوله * ( إِنَّما أَمْرُه إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * لأن هذا عبارة عن قدرته على جميع الأشياء ولا شك أن الخلاق العليم القدير لا يصعب عليه إعادة الأجساد * ( فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِه مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) * في هذا استدلال على البعث ، وتنزيه للَّه عما نسبه الكفار إليه من العجز عن البعث ، فإنهم ما قدروا اللَّه حق قدره ، وكل من أنكر البعث فإنما أنكره لجهله بقدرة اللَّه سبحانه وتعالى .
التسهيل لعلوم التنزيل — صفحة 187
مساهمون: الغرناطي الكلبي
ص١٨٧