تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
وقد عرفت أن العمدة من أدلته إنما هي مسألة رجوع الجاهل إلى العالم التي هي قاعدة أصيلة عقلائية ، وإذا راجعنا العقلاء في حدود رجوعهم إلى العلماء في غير باب الأحكام الشرعية نراهم لا يفرقون بين الحي والميت قطعا ، فهل ترى أنهم إذا أرادوا الوقوف على خواص بعض النباتات مثلا ، قد ذكرها الشيخ الرئيس أو بعض آخر من علماء هذا الباب في كتبهم ، فهل ترى فرقا في حجية ما ذكره في كتابه بين زمان حياته وما بعد وفاته ، أم لا تشك في أنه إذا أريد الأخذ بنظره ورأيه فآرائه المسطورة في كتابه حجة وطريق معتبر يؤخذ بها في كلتا الحالتين ؟ وهذا واضح جدا لا ينبغي الريب فيه أصلا . وحينئذ فمقتضى السيرة العقلائية حجية قول الميت من أهل الخبرة كما إذا كان حيا ، وقد عرفت أن مبنى جواز التقليد هو هذه السيرة وأن الأدلة اللفظية أيضا منزلة عليه ، وحينئذ فمقتضى الدليل الإجتهادي من السيرة والإطلاقات جواز تقليد الميت أيضا كما في الحي . ولو شك فيه فاستصحاب طريقية رأيه يقتضي الجواز ، وليس المراد برأيه وقوله هي الحالة النفسانية التي ربما يدعى انعدامها عقلا أو عرفا بموته ، فلا يبقى لها موضوع ، فيختل ركن الاستصحاب ، بل المراد به معنى يبقى ولو بعد الموت ، فكل ما هو موجود في كتاب خواص النباتات - مثلا - عن عالم بها فهو آراء له ، ولا شك في عدم تقومها بحياته ، فهذا المعنى هو المراد بالرأي ، وهو الموضوع للحكم بالحجية والطريقية عند العقلاء . فإن شئت قلت : إن موضوع الحجية هو ما كان قولا لمن هو من أهل الخبرة ولم يرجع عنه ، من غير اشتراط التفاته إليه دائما ، ولا بقاء حياته أو بقاء سلامته ، فهذا القول قد كان طريقا عندما كان حيا سليما ، فإذا مات أو مرض وشك في بقاء الحجية والطريقية كان مقتضى الاستصحاب بقاءه على ما كان . فمقتضى الأصول العملية والأدلة الاجتهادية جواز تقليد الميت كالحي . * * *
تسديد الأصول — صفحة 553 | الشيخ محمد المؤمن القمي