تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
قلت : إن الوظائف المجعولة في مجاري الأصول وإن كانت كما أفيد إلا أن تقوم المعذرية بالالتفات إليها والعلم بها حين العمل ممنوع ، لعدم الدليل عليه بعد ما كان مقتضى الإطلاقات تعلق الحكم بعنوان صادق حتى حين الجهل به أيضا ، ففيما نحن فيه كل ما لا يعلم به ولم يقم دليل معتبر يظفر به بعد الفحص عليه كان داخلا في إطلاق الحديث ومصداقا لقاعدة قبح العقاب ، وهو عنوان يصدق حتى قبل الفحص أيضا إذا كان بحيث لا يظفر على الحكم الإلزامي بعد الفحص أيضا ، فيصدق عليه حكم الرفع وقبح العقاب إلا أن المكلف غير عالم بهذا الرفع والقبح حين العمل ، فإذا علم به بعد الفحص نفعه هذا الرفع أو القبح الواقعي ، بل لو لم يعلم به أصلا كان نافعا يوم لا ينفع مال ولا بنون ، كما لا يخفى . ثم إنه قد يستشكل ترتب العقاب على الواقع المجهول : بأن نفس الجهل وعدم وصوله مانع عن ترتب العقاب عليه وتنجزه ، فلا محالة يترتب العقاب على مخالفة وجوب التعلم بما أنه طريق إلى إحراز الواقع . أقول : عد مجرد الجهل مطلقا مانعا عن التنجز غريب ، بل العقل يحكم بتنجز التكليف المجهول قبل الفحص إذا كان بحيث يعثر على حجة مقتضية له ، فلا دليل على مانعية مجرد الجهل ، كما في أطراف العلم الإجمالي أيضا . ثم إن ظاهر كلمات كثير من الأعاظم هنا - كالكفاية والفرائد - أن تارك الفحص العامل بما يطابق البراءة غافل عن الحكم الواقعي ، والخطاب مرفوع عنه ، لعدم إمكان انبعاثه عنه . وفيه أولا : أن ملازمة ترك الفحص للغفلة عن الحكم بالمرة حين العمل ممنوعة ، بداهة إمكان أن يكون شاكا ملتفتا ، ومع ذلك عمل بما يطابق البراءة . وثانيا : أن حقيقة التكاليف - كما مر غير مرة - إنما هي قوانين اعتبارية موضوعة ، لا إرادات شخصية ، ومن الواضح أن عمومها للغافل ولا سيما إذا كان تقصيره عن التعلم هو الموجب لغفلته مما لا إشكال فيه ، وتنجزها بالنسبة إلى مثله مما لا ينبغي أن يعتريه شبهة ، فلا حاجة إلى ما في الكفاية من تفكيك الخطاب عن
تسديد الأصول — صفحة 253 | الشيخ محمد المؤمن القمي