تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
الواقعي ، فالحكم الواقعي مجهول غير معلوم إلا أنه بحيث لو كان فالحجة عليه قائمة ، نعم ، كل ما قام عليه طريق معتبر يطلق عليه أنه معلوم . وبعبارة أخرى : العلم ما يرادفه في الفارسية . " دانستن " وهو وإن لم يطلق على خصوص القطع المائة في المائة ، بل يطلق على كل ما قام عليه طريق معتبر إلا أنه لا يطلق أيضا على كل ما هو حجة معتبرة وإن لم تكن طريقا . ومنه تعرف أن أدلة الأمارات المعتبرة توجب خروج ما قامت عليه أمارة عن عنوان " ما لم يعلم " حقيقة ، وهذا بخلاف الاستصحاب الذي هو أيضا من الأصول ، فجريانه لا يوجب خروج مجراه عن ذاك العنوان حقيقة ، إلا أن قوله : " لا تنقض اليقين . . . " تعبد ببقاء اليقين الذي هو العلم ، فلازم جريانه تحقق علم تعبدي ، ونتيجته : حكومته على حديث الرفع ، وكل ما كان على عنوان العلم واليقين . فلا ينبغي الشك في صدق " مالا يعلمون " على التكاليف المجهولة قبل الفحص ، فإطلاق حديث الرفع يقتضي جريان البراءة الشرعية ولو قبل الفحص أيضا إلا أنه لابد من الخروج عنه لوجوه : منها : قوله تعالى : * ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) * بيان الدلالة : أنه تعالى أوجب على المخاطبين - بعد فرض أنهم لا يعلمون بأن النبي يمكن أن يكون بشرا - أن يسألوا أهل الذكر ، ومقتضاه أنه ليس لهم أن يقعدوا مقاعدهم ، ولا يلتفتوا إلى من يدعي النبوة والإتيان بأحكام من الله تعالى اعتذارا بأنا لا نعلم صدقه ، ولا أن ما يدعيه أنه حكم الله كان حكما منه تعالى ، فنحن غير عالمين بذلك ، فنستريح من تعب السؤال والفحص ، بل أوجب عليهم أن يفحصوا ويسألوا أهل الذكر حتى يتبين لهم الأمر ، وهذا الذي تضمنته الآية مصداق لقاعدة كلية عقلائية ، وإرشاد إليها وإمضاء لها ، وهي : أنه كلما احتمل حكم ووظيفة من ناحية المولى الواجب الطاعة فعلى العبد أن يفحص من مظان استبانته ، وليس له أن ينام ويستريح من تعب الفحص والسؤال إلى مثل قولهم ( عليهم السلام ) : " رفع ما لا يعلمون " .
تسديد الأصول — صفحة 244 | الشيخ محمد المؤمن القمي