تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
أما في البراءة العقلية فلأن مستندها حكم العقلاء بقبح العقاب ، ولا شك أن البيان الذي هو غاية له إنما هو المتعارف منه ، الصادق بوجود الدليل عليه في الكتب التي بأيدينا ، فلا يحرز موضوعه قبل الفحص ، ويكون الاستناد إليه قبله من قبيل الرجوع إلى العام في شبهته المصداقية . وأما في البراءة الشرعية فما كان منها بمضمون حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، نظير قوله تعالى : * ( ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) * جرى فيها ما عرفت في حكم العقل حرفا بحرف ، وإنما الكلام في ما كان دالا على البراءة ، وعدم العقاب على ما لم يعلم من التكليف ، كما في قوله ( صلى الله عليه وآله ) : " رفع عن أمتي . . . . ما لا يعلمون " فإنه لا ينبغي الريب في صدق عنوان " ما لا يعلمون " على التكاليف المجهولة قبل الفحص ، فإنها لو كانت مجعولة في الواقع فلا شبهة في أنها بعد للمكلف مجهولة غير معلومة . وما عن سيدنا الأستاذ ( قدس سره ) من أن المراد بما لا يعلمون : ما لا حجة عليه ، ولذا كانت أدلة الأمارات والاستصحاب واردة على حديث الرفع ، وأن إرادة الحجة من مادة العلم أمر شائع في الكتاب والسنة ، وعليه فحيث إن وجود الدليل على التكليف في ما بأيدينا من القرآن والمجاميع الروائية حجة علينا ولو قبل الفحص ، فالتكليف المشكوك قبل الفحص حيث نحتمل وجود دليل عليه فنحتمل خروجه عن عنوان ما لا يعلمون ، ويكون التمسك لرفعه بالحديث رجوعا إلى العام في شبهته المصداقية . فهو مما لا يمكننا تصديقه ، وذلك أن العلم المذكور في الكتاب والسنة وإن كان لا يراد به خصوص القطع إلا أنه لا يراد به أيضا مطلق الحجة ، فإن عنوان الحجة يصدق على بعض الاحتمالات ، كما في أطراف العلم الإجمالي ، أو الاحتمال الذي نص المولى على لزوم الاحتياط فيه ، لكنه لا ينبغي الشك في عدم صدق العلم عليه ، فإن كلا من طرفي العلم الإجمالي في الشبهة الحكمية مما لم يعلم حرمته أو وجوبه ، ومورد الاحتياط المفروض أيضا لم يعلم فيه حكم الله