عابدا له شرعا وإن كان الخضوع والتذلل لغير الله تعالى قد يحرم في بعض
صوره كما إذا كان لغني لأجل غناه ، لكنه لا يسمى عبادة شرعا ، ولا يكون
صاحبه مشركا ، كما أفاد ذلك العلامة محمد حبيب الله الشنقيطي في زاد
المسلم .
ويوضح ذلك أيضا أن نقول : إن العبادة شرعا معناها الإتيان بأقصى
الخضوع قلبا وقالبا ، فهي إذن نوعان قلبية وقالبية ، ( فالقلبية ) : هي اعتقاد
الربوبية أو خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع أو الضر ونفوذ المشيئة
لمن اعتقد فيه ذلك ، ( والقالبية ) : هي الإتيان بأنواع الخضوع الظاهرية من
قيام وركوع وسجود وغيرها مع ذلك الاعتقاد القلبي ، فإن أتى بواحد منها
بدون ذلك الاعتقاد لم يكن ذلك الخضوع عبادة شرعا ولو كان سجودا ، وإنما
قال العلماء بكفر من سجد للصنم لأنه أمارة وعلامة على ذلك الاعتقاد ، لا
لأنه كفر من حيث ذاته ، إذ لو كان كفرا لذاته - السجود - لما حل في شريعة
قط ، وقد حل كما هو معلوم في آيات كثيرة ، فكيف حل وهو كفر ، والله لا يأمر
بالفحشاء ، قال تعالى : * ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) * الأعراف : 27 .
فقد كان كما هو معلوم السجود لغير الله عز وجل على وجه التحية والتكريم
مشروعا في الشرائع السابقة وإنما حرم في هذه الشريعة ، فمن فعله لأحد تحية
وإعظاما من غير أن يعتقد فيه ربوبية كان آثما بذلك السجود ، ولا يكون به
كافرا إلا إذا قارنه اعتقاد الربوبية للمسجود له ، ويرشدك إلى ذلك قوله عز
وجل في سيدنا يعقوب نبي الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وامرأته وبنيه
حين دخلوا على سيدنا يوسف * ( وخروا له سجدا ) * يوسف : 100 ، قال ابن كثير
في تفسيرها :
التنديد بمن عدد التوحيد — صفحة 34
مساهمون: حسن بن علي السقاف
ص٣٤