ضمانه ، وإن كان المشهود به قتلا أو قطعا أو حدا استوفى وتعذر التدارك ، فضمانه
على عاقلة القاضي على الأظهر ، وفي بيت المال على قول كما سبق في ضمان
الولاة . وإنما تعلق الضمان بالقاضي ، لتفريطه بترك البحث التام على حال الشهود ،
ولا ضمان على المشهود له ، لأنه يقول : استوفيت حقي ، ولا على الشهود ، لأنهم
ثابتون على شهادتهم زاعمون صدقهم بخلاف الراجعين . وإذا غرمت العاقلة أو
بيت المال ، فهل يثبت الرجوع على الشهود فيه خلاف وتفصيل سبق في باب
ضمان الولاة ، والذي قطع به العراقيون أنه لا ضمان عليهم ، وقالوا : وكذا لا ضمان
على المزكين ، لأن الحكم غير مبني على شهادتهم ، قال القاضي أبو حامد : يرجع
الغارم على المزكين ، ويستقر عليهم الضمان بخلاف الشهود ، لأنه ثبت عند
القاضي أن الامر على خلاف قول المزكين ، ولم يثبت أنه خلاف قول الشهود وإلى
هذا مال القاضيان أبو الطيب والروياني ، ومفهوم ما ذكروه أنه يجوز تغريم المزكين ،
أولا ، ثم لا رجوع لهم على القاضي ، وأشار الامام إلى مثل ذلك في الشهود إذا قلنا
بالرجوع عليهم ، ولا فرق فيما ذكرناه من تعليق الضمان بالقاضي بين أن يكون
الحكم في حد الله تعالى أو قصاص ، وسواء في القصاص استوفاه المدعي أو القاضي
بنفسه ، أو فوض استيفاءه بإذن المدعي إلى شخص ، وسبق في إذن القاضي عن
الإصطخري أن المدعي إن استوفاه بنفسه ، فالضمان عليه ، أنه إنما يعلق الضمان
بالقاضي إذا باشر الاستيفاء أو فوضه إلى غيره بإذن المدعي ، وإن كان المحكوم به
مالا ، فإن كان باقيا عند المحكوم له انتزع ، وإن كان تالفا ، أخذ منه ضمانه ،
وقيل : إن تلف بآفة سماوية ، فلا ضمان والصحيح الأول ، وفرقوا بينه وبين
الاتلاف حيث قلنا : لا غرم عليه فيه بأن الاتلاف إنما يضمن إذا وقع على وجه
التعدي ، وحكم القاضي أخرجه عن التعدي ، وأما المال ، فإذا حصل في يد إنسان
بغير حق كان مضمونا ، وإن لم يوجد منه تعد ، فإن كان المحكوم له معسرا أو غائبا ،
فللمحكوم عليه مطالبة القاضي ليغرم له من بيت المال في قول ومن خالص ماله في
قول ، لأنه ليس بدل نفس تتعلق بالعاقلة ، ثم القاضي يرجع على المحكوم له إذا
روضة الطالبين — صفحة 279
مساهمون: النووي
ص٢٧٩