نجاته لم يحزن حيث يجب أن يكون آمنه ، ولا انزعج قلبه في الموضع الذي
يقتضي سكونه ، فأي فضيلة في آية الغار يفتخر بها لأبي بكر لولا المكابرة
واللدد ( 1 ) ؟ !
وأعجب من هذا : قول الله تعالى : ( فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ) ( 2 ) ،
فيعلمون بهذا أن السكينة اختصت برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، لأنه المؤيد بالجنود دون
غيره ، ولا يجوز أن يريد الله تعالى بجنوده أحدا من الأنام سوى نبيه !
ومن عجيب جهلهم : قولهم : إن النبي مستغن بنبوته عن السكينة ، حتى كأنهم
لم يسمعوا في القرآن قول الله : ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) ( 3 ) ، ولو أنهم
يسمعون ذلك استماع من يعيه ويفهم لعلموا أن السكينة لا تنزل على أحد من أهل
الإيمان ومعه النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلا وتنزل على النبي ( صلى الله عليه وآله ) قبله ، ويذكر قبل ذكره ، وتحققوا
أن نزولها في الغار دليل على أنه للنبي ( صلى الله عليه وآله ) وأنه ليس معه مؤمن يستحقها ، ولولا
ذلك لقال : فأنزل سكينته على رسوله وعليه ، أو قال : وعليهما !
ومن عجيب أمرهم ، وظاهر عنادهم : افتخارهم لأبي بكر بآية الغار ، وإكثارهم
من ذكرها ، ولا يذكرون مبيت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تلك الليلة على فراش رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) ، حيث بذل مهجته دونه ، وفداه بنفسه ، واضطجع في موضعه الذي
يقصده إليه أعداؤه ، حتى تعجبت من ذلك الملائكة ، وأنزل الله في مبيته :
هامش
( 1 ) اللدد : الخصومة الشديدة . ( النهاية : 4 / 244 - لدد - ) .
( 2 ) سورة التوبة : 40 .
( 3 ) سورة التوبة : 26 .