دار عمل ؟ وأجاب القاضي وتبعه السبكي بجوابين : الأول : إنا نقول : إنهم كالشهداء بل أفضل ،
والشهداء أحياء عند ربهم ، فلا يبعد أن يحجوا وأن يصلوا كما ورد في الحديث الآخر ، وأن
يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار
العمل حتى إذا فنيت مدتها ، وتعقبها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل ، وحاصله أن
البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور . الثاني ولفظه
للسبكي رحمه الله تعالى : " إنا نقول إن المنقطع في الآخرة إنما هو التكليف ، وقد تحصل
الأعمال من غير تكليف على سبيل التلذذ بها والخضوع لله تعالى . ولهذا ورد أنهم يسبحون
ويدعون ويقرأون القرآن وانظر إلى سجود النبي صلى الله عليه وسلم وقت الشفاعة ، أليس ذلك عبادة وعملا ؟
وعلى كلا الجوابين لا يمتنع حصول هذه الأعمال في مدة البرزخ " .
وقد صح عن ثابت البناني التابعي أنه قال : " اللهم إن كنت أعطيت أحدا أن يصلي في
قبره فأعطني ذلك " . فرؤي بعد موته يصلي في قبره . ويكفي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لموسى قائما
يصلي في قبره ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء لم يقبضوا حتى خيروا بين البقاء في الدنيا وبين
الآخرة فاختاروا الآخرة . ولا شك أنهم لو بقوا في الدنيا لازدادوا من الأعمال الصالحة ثم
انتقلوا إلى الجنة ، فلو لم يعلموا أن انتقالهم إلى الله تعالى أفضل لما اختاروه ، ولو كان انتقالهم
من هذه الدار يفوت عليهم زيادة فيما يقرب إلى الله تعالى لما اختاروه . انتهى ولهذا مزيد بيان
يأتي في باب حياته في قبره صلى الله عليه وسلم .
التنبيه الثامن عشر : هذه الصلاة التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم الصلاة
والسلام ، الصواب أنها الصلاة المعروفة لأن النص يحمل على حقيقتها الشرعية قبل اللغوية إلا
إذا تعذر حمله على الشرعية ، ولم يتعذر هنا فوجب حمله على الشرعية . وعلى هذا قال
بعضهم : " كانت الصلاة التي صلاها العشاء " وقال بعضهم : " إنها الصبح " .
قلت : وليسا بشئ سواء قلنا صلى بهم قبل العروج أو بعده لأن أول صلاة صلاها
النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس مطلقا الظهر بمكة باتفاق ، ومن حمل الأولية على مكة فعليه الدليل ،
والذي يظهر والله تعالى أعلم أنها كانت من النفل أو كانت من الصلاة المفروضة عليه قبل
ليلة الإسراء ، وفي فتاوى النووي ما يؤيد الثاني .
التنبيه التاسع عشر : قال بعضهم : ورؤيته إياهم صلى الله عليه وسلم في السماء محمولة على رؤيته
أرواحهم إلا عيسى ، لما صح أنه رفع بجسده ، وقد قيل في إدريس أيضا ذلك . وأما الذين صلوا
معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح خاصة ، ويؤيده ما في حديث أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه ، عند الحاكم والبيهقي ، " فلقي أرواح الأنبياء " ، وفيه دليل على تشكل الأرواح
سبل الهدى والرشاد — صفحة 113
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص١١٣