الباب الخامس عشر
في مثله ومثل الأنبياء من قبله
روى الإمام أحمد والشيخان والبيهقي عن أبي هريرة ، والإمام أحمد ومسلم عن أبي
سعيد الخدري ، والإمام أحمد والشيخان عن جابر بن عبد الله ، والإمام أحمد والترمذي
وصححه عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنهم ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن مثلي ومثل
الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا فأحسنه وأجمله وأتمه إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه ،
فجعل الناس يدخلون ويطوفون ويتعجبون له ويقولون : لولا موضع اللبنة . وفي لفظ : يقولون له :
هلا وضعت هذه اللبنة فيتم بنيانك ، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة ، جئت فختمت
الأنبياء ) ( 1 ) .
قال الحافظ : إن قيل المشبه به واحد والمشبه جماعة ، فكيف صح التشبيه ؟
وجوابه : أنه جعل الأنبياء كلهم كرجل واحد ، لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار
الكل ، وكذلك الدار لا تتم إلا باجتماع البنيان . ويحتمل أن يكون من التشبيه التمثيلي ، وهو
أن يؤخذ وصف من أوصاف المشبه بمثله من أحوال المشبه به ، فكأنه شبه الأنبياء وما
بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أسست قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع به يتم صلاح ذلك
البيت ، فنبينا صلى الله عليه وآله وسلم بعث لتتميم مكارم الأخلاق ، كأنه هو تلك اللبنة التي بها إصلاح ما بقي
من الدار . وزعم ابن العربي أن اللبنة المشار إليها كانت في رأس الدار المذكورة ، وأنها لولا
وضعها لانقضت تلك الدار . قال : وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور انتهى .
وهذا إن كان منقولا فحسن ، وإلا فليس بلازم . نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في
مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها ، وقد وقع في رواية همام عند مسلم : ( إلا موضع لبنة
في زاوية من زواياها ) فظهر أن المراد أنها مكملة محسنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها
كان ناقصا ، وليس كذلك فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة ، فالمراد هنا النظر إلى الأكمل
بالنسبة إلى شريعة المحمدية ، مع ما تقدم من الشرائع الكاملة .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 5 / 24 ( 3534 ) ومسلم 4 / 1790 ( 23 - 2287 ) .