تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سبل الهدى والرشاد — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
وروى الشيخان عن أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل فقال : يا رسول الله ابن خطل معلق بأستار الكعبة فقال : اقتلوه . فابن القاص - رحمه الله تعالى - معذور ، فإنه لما رأى حديث الأمان في دخول المسجد وحده ، رأى في هذا الحديث الامر بقتل ابن خطل بسط هذه الخصوصية ، وهذا نهاية أمر الفقيه جمعا بين الأحاديث ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمن الناس استثنى ابن أخطل وغيره ، كما سبق في غزوة الفتح . التاسعة والعشرون : وبأن له تعزير من شاء بغير سبب يقتضيه ، ويكون له رحمة ، ذكره ابن القاص ، وتبعه الامام والبيهقي ، ولا يلتفت إلى قول من أنكره . روى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم ، اني أتخذ عندك عهدا لا تخلفنيه فإنما أنا بشر ، فأي المؤمنين آذيته أو سببته أو لعنته أو جلدته ، فاجعلها له زكاة وصلاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ) . وروى مسلم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلان يكلمانه بشئ لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما ، فلما خرجا قلت : يا رسول الله ، من أصاب من الخير شيئا مما أصابه هذان قال : ( وما ذاك ؟ ) قلت : لعنتهما وسببتهما قال : ( أو علمت ما شارطت عليه ربي ؟ قلت : اللهم : انما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر ، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها لها طهورا وزكاة ، وقربة تقربه بها يوم القيامة ) . قال النووي - رحمه الله تعالى - : هذه الأحاديث منبهة على ما كان عليه - عليه الصلاة والسلام - من الشفقة على أمته ، ومن الاعتناء بمصالحهم ، والاحتياط لهم ، والرغبة في كل ما ينفعهم ، وهذه الرواية الأخيرة تبين المراد من الروايات المطلقة ، وأنه يكون دعاؤه عليهم وسبه ولعنه ونحو ذلك ، رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك ، إذا لم يكن أهلا للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه وكان مسلما والا فقد دعا صلى الله عليه وسلم على الكفار والمنافقين ، ولم يكن رحمة لهم . فان قيل : فكيف يدعو على من ليس بأهل للدعاء عليه ، أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : ان المراد ليس بأهل ، لذلك عند الله تعالى في باطن الامر ، ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له صلى الله عليه وسلم استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ، ويكون في باطن الامر ليس أهلا لذلك ، وهو صلى الله عليه وسلم مأمور بالحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر . انتهى . وهذا الجواب ذكره المازري ، وهو مبني على قول من قال : إنه كان يجتهد في الاحكام ، ويحكم بما أدى إليه اجتهاده ، وأما من قال : لا يحكم الا بالوحي ، فلا يتأتى فيه هذا الجواب .