فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة فقال له : ماذا لقيت ؟ قال أبو لهب : لم ألق
بعدكم . زاد عبد الرزاق : راحة . ولفظ الإسماعيلي : لم ألق بعد رخاء .
وحذف المفعول في جميع روايات البخاري . " غير أني سقيت في هذه " زاد
عبد الرزاق - وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه بعتاقتي ثويبة .
وذكر السهيلي وغيره أن الرائي له أخوه العباس ، وكان ذلك بعد سنة من وفاة أبي لهب
بعد وقعة بدر : أن أبا لهب قال للعباس ، إنه ليخفف علي في يوم الاثنين . قالوا : لأنه لما بشرته
ثويبة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أعتقها من ساعته ، فجوزي بذلك لذلك .
قال في الغرر : واختلفوا متى أعتقها . فقيل : أعتقها حين بشرته بولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهو الصحيح . وقيل إن خديجة سألت أبا لهب في أن تبتاعها منه ليعتقها فلم يفعل . فلما هاجر
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أعتقها أبو لهب . وهو ضعيف . انتهى .
وقال الحافظ : واستدل بهذا على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة ، وهو
مردود بظاهر قوله تعالى : " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " لا سيما
والخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به . وعلى تقدير أن يكون موصولا فلا يحتج به .
إذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعي ، لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا
من ذلك ، بدليل التخفيف عن أبي طالب المروي في الصحيح .
قلت : وعلى هذا الاحتمال جرى جمع كما سبق ، نقل ذلك عنهم . قال البيهقي : ما
ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلص من النار ولا دخول الجنة ،
ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر ،
بما عملوه من الخيرات .
وأما عياض رحمه الله تعالى فقال : انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا
يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض ، قال الحافظ :
وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي ، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب
الكفر ، وأما ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه .
وقال القرطبي رحمه الله تعالى : هذا التخفيف خاص بهذا أو بمن ورد النص فيه .
وقال ابن المنير ( 1 ) رحمه الله تعالى في الخامسة : هما قضيتان إحداهما محال ، وهي
هامش
( 1 ) أحمد بن محمد بن منصور : من علماء الإسكندرية وأدبائها . ولي قضاءها وخطابتها مرتين . له تصانيف ، منها " تفسير "
و " ديوان خطب " و " تفسير حديث الإسراء " على طريقة المتكلمين . و " الانتصاف من الكشاف " وله نظم . توفي سنة
683 ه . انظر الأعلام 1 / 220 ، وفوات الوفيات 1 / 72 .