وكانت خزاعة مستولية على الأبطح ، وكانت قريش تنزل الشعاب والجبال وأطراف
مكة وما حولها فخطب قصي إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبى ، فعرف حليل نسبه
فزوجه ابنته وحليل يومئذ يلي الكعبة وأمر مكة .
فأقام قصي معه وولدت له حبى أولاده ، فلما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه هلك
حليل ، وأوصى بولاية البيت لابنته حبى فقالت : لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه . فجعل ذلك
لأبي غبشان ، بضم الغين المعجمة وسكون الموحدة بعدها شين معجمة - واسمه
المحترش - بميم فحاء مهملة ويقال بمعجمة فتاء مثناة فوقية ، فراء فشين معجمة - بن حليل
وكان في عقله خلل ، فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وقعود . فضربت به العرب المثل
فقالت : أخسر صفقة من أبي غبشان ! .
فلما أخذ قصي مفتاح البيت إليه أنكرت خزاعة ذلك وكثر كلامها ، وأجمعوا على
حرب قصي وقريش وطردهم عن مكة وما والاها :
فبادر قصي فاستصرخ أخاه رزاح بن ربيعة فحضر هو وإخوته ، وكانت بنو صوفة تدفع
الناس بالحج من عرفة إذا نفروا من منى ، فلم يجسر أحد من الناس أن ينفر ولا يرمي حتى
يرموا ، فلما كان هذا العام فعلت بنو صوفة كما كانت تفعل ، فأتاهم قصي بمن معه من قريش
وكنانة وقضاعة عند العقبة فقال لبني صوفة : نحن أولى بهذا منكم . فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا
شديدا وكثر القتال في الفريقين فانهزمت صوفة وغلبهم على ما كان بأيديهم من ذلك ،
فانحازت خزاعة وبنو بكر عن قصي ، وعلموا أنه سيمنعهم كما منع من ذلك بني صوفة ، وأنه
سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة ، فاجتمع لحربهم فخرجت خزاعة وبنو بكر فالتقوا واقتتلوا
قتالا شديدا ، ثم إنهم تداعوا إلى الصلح وأن يحكموا رجلا من العرب ، فحكموا يعمر بن
عوف بن كعب المعروف بالشداخ فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة ،
وأن كل دم أصابته قريش من خزاعة موضوع يشدخه تحت قدميه ، وأن ما أصابته خزاعة وبنو
بكر من قريش وبني كنانة فيه الدية . فودوا خمسمائة وعشرين دية ثلاثين جريحا . وأن يخلى
بين قصي وبين البيت . فسمي يعمر بن عوف الشداخ لما شدخ من الدماء ووضع .
فولى قصي أمر الكعبة ومكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة فملكوه عليهم ، ولم
تكن مكة بها بيت في الحرم وإنما كانوا يكونون بها حتى إذا أمسوا خرجوا لا يستحلون أن
يصيبوا فيها جناية ، ولم يكن بها بيت قديم .
فلما جمع قصي قريشا - وكان أدهى من رئي من العرب - قال لهم : هل لكم أن
تصبحوا بأجمعكم في الحرم حول البيت ؟ فوالله لا يستحل العرب قتالكم ولا يستطيعون
سبل الهدى والرشاد — صفحة 274
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٢٧٤