وروى ابن عساكر عن ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - قال : إن ربيعة بن نصر اللخمي
رأى رؤيا هالته وفظع بها ، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا
جمعه إليه ، فقال لهم : إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بتأويلها . قالوا : اقصصها
علينا نخبرك بتأويلها . قال : إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها ، إنه لا يعرف
تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها . فقيل له : إن كنت تريد هذا فابعث إلى سطيح ( 1 ) وشق ( 2 ) ، فإنه ليس أحد أعلم منهما ،
فهما يخبرانك بما تسأل عنه .
فبعث إليهما ، فقدم عليه سطيح قبل شق ، فقال : إني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها ،
فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها . فقال : رأيت حممه خرجت من ظلمة فوقعت بأرض
تهمة ، فأكلت كل ذات جمجمة . فقال الملك : ما أخطأت منها شيئا يا سطيح ، فما عندك في
تأويلها ؟ فقال : أحلف بما بين بين الحرتين من حنش ، ليهبطن أرضكم الحبش فليهلكن ما بين أبين
إلى جرش . فقال الملك : وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع ، فمتى هو كائن ؟ أفي زماني أم
بعده ؟ قال : بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين من السنين . قال : أفيدوم ذلك من ملكهم أم
ينقطع ؟ قال : بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين قال : ومن يلي
ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال : يليه إرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك منهم أحدا
باليمن : قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع . قال : ومن يقطعه ؟ قال : نبي زكي
يأتيه الوحي من قبل العلي . قال : وممن هذا النبي ؟ قال : رجل من بني غالب بن فهر بن مالك بن
النضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر . قال : وهل للدهر من آخر ؟ قال : نعم يوم يجمع فيه
الأولون والآخرون ، يسعد به المحسنون ويشقى به المسيئون . قال : أحق ما تخبرني به ؟ قال : نعم
والشفق والغسق ، والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق .
هامش
( 1 ) ربيع بن ربيعة بن مسعود بن عدي بن الذئب ، من بني مازن ، من الأزد : كاهن جاهلي غساني . من المعمرين ، يعرف
بسطح . كان العرب يحتكمون إليه ويرضون بقضائه ، حتى أن عبد المطلب بن هاشم - على جلالة قدره في أيامه -
رضي به حكما بينه وبين جماعة من قيس عيلان ، في خلاف على ماء بالطائف ، كانوا يقولون : إنه لهم . وكان يضرب
المثل بجودة رأيه ، قال ابن الرومي :
" تبدي له سر العيون كهانة * يوحي بها رأي كرأي سطيح "
وقال الفيروزآبادي : سطيح ، كاهن بني ذئب ، ما كان فيه عظم سوى رأسه . وزاد الزبيدي : كان أبدا منبسطا منسطحا
على الأرض لا يقدر على قيام ولا قعود ، ويقال : كان يطوى الحصيرة ويتكلم بكل أعجوبة . توفي سنة
52 ق . ه الأعلام 3 / 14 .
( 2 ) شق بن صعب بن يشكر بن رهم القسري البجلي الأنماري الأزدي : كاهن جاهلي ، من عجائب المخلوقات . وعاش
شق إلى ما بعد ولادة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقال . وقد عمر طويلا . ويذكرون أنه كان نصف إنسان : له يد واحدة ، ورجل
واحدة وعين واحدة . وقال ابن حزم إن له نسلا ، اشتهر منه في العصر المرواني " خالد " و " أسد " القسريان ، وكان أولهما
أمير العراقين لهشام بن عبد الملك ، والثاني والي خراسان . توفي سنة 55 ق . ه . الأعلام 3 / 170 .