وأرادوه على أن ينطلق معهم ، فقال لي أمية : يا أبا سفيان انطلق معي فإنك تمضي إلى رجل قد
انتهى إليه علم النصرانية فقلت : لست أنطلق معك . فذهب ورجع وقال : تكتم علي ما أحدثك
به ؟ قال : نعم قال : حدثني هذا الرجل الذي انتهى إليه علم الكتاب : أن نبيا مبعوث ، فظننت
أنني هو ، فقال : ليس منكم ، هو من أهل مكة . قلت : ما نسبه ؟ قال : وسط قومه . وقال لي : إن
آية ذلك أن الشام قد رجفت بعد عيسى ثمانين رجفة ، وبقيت رجفة يدخل على أهل الشام
منها شر ومصيبة : فلما صرنا قريبا من ثنية إذا راكب قلنا : من أين ؟ قال : من الشام . قلنا : هل
كان من حدث ؟ قال : نعم ، رجفت الشام رجفة دخل على الشام منها شر ومصيبة .
وروى ابن عساكر عن أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - قال : كنت جالسا بفناء
الكعبة وزيد بن عمرو بن نفيل ( 1 ) قاعد ، فمر به أمية بن أبي الصلت فقال : أما إن هذا النبي
الذي - ينتظر منا أو منكم أو من أهل فلسطين . قال : ولم أكن سمعت قبل ذلك بني ينتظر فلا
يبعث .
فخرجت أريد ورقة بن نوفل ( 2 ) فقصصت عليه الحديث فقال : نعم يا بن أخي ، أخبرنا
أهل الكتاب والعلماء ، أن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا ، ولي علم بالنسب
فقومك أوسط العرب نسبا . قال : يا عم وما يقول النبي ؟ قال يقول ما قيل له ، إلا أنه لا يظلم ولا
يظالم .
قال : فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت وصدقت .
فلسطين بكسر الفاء وفتح اللام : ناحية من الشام .
هامش
( 1 ) زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى ، القرشي العدوي : نصير المرأة في الجاهلية ، وأحد الحكماء . وهو ابن عم
عمر بن الخطاب . لم يدرك الإسلام ، وكان يكره عبادة الأوثان ولا يأكل مما ذبح عليها . ورحل إلى الشام باحثا عن
عبادات أهلها ، فلم تستمله اليهودية ولا النصرانية ، فعاد إلى مكة يعبد الله على دين إبراهيم . وجاهر بعداء الأوثان ،
فتألب عليه جمع من قريش ، فأخرجوه من مكة ، فانصرف إلى " حراء " فسلط عليه عمه الخطاب شبانا لا يدعونه يدخل
مكة ، فكان لا يدخلها إلا سرا . توفي قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين . وله شعر قليل ، منه البيت المشهور :
" أربا واحدا أم ألف رب * أدين إذا تقسمت الأمور ؟ " .
توفي 17 ق ه ، الأعلام 3 / 60 .
( 2 ) ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، من قريش : حكيم جاهلي ، اعتزل الأوثان قبل الإسلام ، وامتنع من أكل ذبائحها ،
وتنصر ، وقرأ كتب الأديان . وكان يكتب اللغة العربية بالحرف العبراني . أدرك أوائل عصر النبوة ، ولم يدرك الدعوة .
وهو ابن عم خديجة أم المؤمنين ، وفي حديث ابتداء الوحي ، بغار حراء ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى خديجة ، وفؤاده
يرتجف ، فأخبرها ، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل " وكان شيخا كبيرا قد عمي " فقالت له خديجة : يا بن
عم اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا بن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا
الناموس الذي نزل الله على موسى ، يا ليتني فيها جذع ! ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول الله : أو
مخرجي هم ؟ قال : نعم ! لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . توفي
سنة 12 ق ه . الأعلام 8 / 114 ، 115 .