فامتطوا من متون أحاسنها الجياد ، وأوضح لهم طرق الفصاحة فغدت لديهم - بحمد اللَّه تعالى - سهلة القياد ، وأحيى ميّت الأدب بروح الأنفاس العيسويّة وعمّر بأنسها ربوعه الخالية ، وحمى نفس الفضل في رقعة المساجلة أن تصل إليه فرازنة ( 1 ) الدّعاوى ولا غرو أنّ حماها العالية ، والصّلاة على رسوله محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أفصح من نطق بالضّاد ، وأوتي جوامع الكلم فلن تحصر معاني كلامه الأعداد - فإنّي وقفت على البديعيّة البديعة التي نظمها الفاضل الأرفع ، واللَّوذعيّ المصقع ، أديب الزّمان ، وشاعر الأوان ، شرف الدّين أبو الرّوح عيسى العالية - أعلى اللَّه تعالى منار أدبه ورفعه على مناويه ، وبلغ به من قصب السّبق ما يمتنع أن يراه على البعد مضاهيه - فألفيتها الدّرّة الثمينة غير أنها لا تسام ، والخريدة ( 2 ) المخدّرة إلا أنها لا يليق بها الاحتشام :
تروم احتشاما ستر لألاء وجهها !
ومن ذا لذات الحسن يخفي ويستر ؟
قد اتّخذت من الاحتشام معقلا وحصنا لا يغشى ، وانتبذت من حسّادها مكانا قصيّا فلا تخاف دركا ولا تخشى :
ولم أدر - والألفاظ منها شريفة -
إلى البدر تسمو أم إلى الشّمس ترتقي ؟
أراد المدّعي بلوغ شأوها الجري في مضمارها فقيل : كلَّا ، ورام الملحد في آياتها الغضّ منها عنادا فأبى اللَّه إلَّا :
ما إن لها في الفضل مثل كائن !
وبيانها أحلى البيان وأمثل !
فأمسوا في معارضتها غير طامعين ، وتلت عليهم آيات بلاغتها :
* ( فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) * ( 3 ) :
هامش
( 1 ) الفرزان : من حجارة الشطرنج ، وهو الملكة ، ويجمع على فرازنة وفرازين . ( لسان العرب ، مادة : فرزن ) .
( 2 ) الخريدة : اللؤلؤة لم تثقب .
( 3 ) الشعراء / 4 .