كم جدّلت يوم الوغى من جندل
صاحت به فما أطاق تصبّرا !
وكيف لا تخضع لها الأعناق ، وتذلّ لها رقاب الشّعراء على الإطلاق ، وهي اليتيمة التي أعقمت الأفهام عن مثلها ، والفريدة التي اعترف كلّ طويل النّجاد بالقصور عن وصلها :
زادت على ، من ذا يطيق وصالها ؟
ومحلَّها منه الثّريّا أقرب !
وأنّى بذلك وقد أخذت من المحاسن بزمامها ، وأحاطت من الطَّلاوة بكمامها ، وأحدقت رياض الأدب بحدائقها ، واقتطفت من أفنان الفنون ثمار معان تلذّ لناظرها وتحلو لذائقها ؟ :
ولا تعر غيرها سمعا ولا نظرا
في طلعة الشّمس ما يغنيك عن زحل
وتصرّفت في جميع العلوم وإن كانت على البديع مقصورة ، وشرفت بشرف متعلَّقها فأصبحت بالشرف مشهورة :
أهانت الدّرّ حتّى ماله ثمن ،
وأرخصت قيمة الأمثال والخطبا !
لا جرم أضحت أمّ القصائد وكعبة القصّاد ، ومحطَّ الرّحال ومنهل الورّاد ، فأربت في الشّهرة على « المثل السائر » ، واعترف بفضلها جزالة البادي وسهولة الحاضر :
فللأ فاضل في عليائها سمر
إنّ الحديث عن العلياء أسمار !
فأعجب بها من بادرة جمعت بين متضادّين سمر وسمر ، وقرنت بين متباعدين زهر وزهر ، وجادت بمستنزهين روض ونهر ، وتفنّنت في أساليب الكلام وجالت ، وطاوعتها يد المقال فقالت وطالت ، ودعت فرسان العربيّة إلى المبارزة فنكسوا ، وتحقّق المفلقون العجز عن مؤاخاتها ولو حرصوا :
فأعرب عن كلّ المعاني فصيحها
بما عجزت عنه نزار ويعرب !
إن ذكرت ألفاظها فما الدّرّ المنثور ؟ أو جليت معانيها أخجلت الرّوض