تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
أنفق في خدمة الطبيعة أيّام عمره فكان بلوغ الغاية في علمها نتيجة خدمته ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي شرح اللَّه بالهدى صدور أمّته ، وخصّه منهم بأعلام كلّ علم وأئمته ، وجلا بيقين ملَّته عن كلّ قلب ما ران عليه من الشّك وغمّته ، وعلى آله وصحبه الذين حماهم من الزّيغ والزّلل ما فجّر الهدى لهم من جوامع الكلم وأفاض التّقى عليهم من أنوار عصمته - فإنّ أولى الأمور أن يعتمد فيها على طبيبها الخبير ، ويصان جوهرها عن عرض العرض على غير ناقدها البصير ، وتحمى مواردها عمن لم يعرف كيف يجتنب مواقع التكدير ، وترفع كواكبها عمّن لم تدرك أفكاره دقائق الحوادث وحقائق التأثير - أمر صناعة الطَّب التي موضوعها الأبدان القائمة بالعبادة ، والأجسام القائمة بما يتعاقب عليها من الحوادث والزّيادة ، والنّفوس التي ما عنها إن حصل فيها التفريط بدل ولا عوض ، والأرواح التي إن عرض الفناء لجوهرها فلا بقاء بعده للعرض ، والطبيعة التي إن خدمت على ما يحبّ نهضت على ما يجب بالصّحّة حقّ النّهوض ، والأمزجة التي إن نفرت لعدم التأتّي في سياستها أعجزت من يروض . ولذلك تفتقر على كثرة أربابها ، وتحتاج مع غزارة المتمسّكين بأسبابها ، وتضطرّ وإن اندفعت الضرورات بكثرة متقنيها ، وتتشوّف وإن وجد الجمّ الغفير من المتلبّسين بأدواتها والمتبحّرين فيها - إلى رئيس ينعم في اعتبار أكفائها النّظر ، ويدفع عن رتبتها بتطرّق غير أهلها الغير ، ويعرف من أحوال مباشريها ما لا يكفي في خبرها الخبر ؛ فلا يقبل إلا من علم مقدار علمه ، ووثق مع الحفظ بصحّة فهمه ، ورضي عن خبره في الطَّبّ واجتهاده ، واعتبر منه كل نوع تحت أجناسه المتعدّدة على حدته وانفراده ، وجاراه في كلَّيّات الفنّ فرآه في كلّ حلبة راكضا ، وطارحه في فصول العلم فوجده بحمل أعباء ما تفرّع منها ناهضا ، واختبر دربته فوجدها موافقة لتحصيله ، مطابقة لما حواه من إجمال كلّ فنّ وتفصيله ، وتتبّع مواقع دينه فوجدها متينة ، ومواضع أمانته فألفاها مكينة ، وأسباب شفقته ونصحه فعرف أنها على ما جمع من الأدوات الكاملة معينة ؛ ويتعيّن أن يكون هذا « الرئيس » في أوانه ، و « الرازيّ » في زمانه ، و « الفارابيّ » في كونه
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 375 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين