تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
والعجم ، وشمخ علاؤه فتطامن ( 1 ) له كلّ عليّ ودان ، وسمت مواطيء أقدامه فتمنّت منالها مواطيء التّيجان ، وحاز بالمساعي الفضل الباهر أجمع ، واستولى على بواهر الحكم بالنظر الثاقب والقلب الأصمع ( 2 ) ، وأفرد بكمال عزّ أن تدركه الآمال ، أو يكون لا شتطاطها فيه مطمع أو مجال ؛ وغدا النصر المبين تابعا لعذب ألويته ، وحسن إقباله في كلّ موطن كفيل بإدبار العدوّ وتوليته ، وأجاب داعي اللَّه إذ استنصر لآل بيت النبوّة واستصرخ ، ولبّى دعاءه تلبية تسطَّر أخبارها على ممرّ الزمان وتؤرّخ ، وأجلى شياطين الضّلال وقد تبعت في زعيمها الجاحد وثنا ، وصدّها بالعزم المرهف عما أصرّت عليه من منكر الإلحاد وثنى ؛ وبدّلت سطاه جبابرة الطَّغاة من الأوطان بعدا وسحقا ، وأمتعتهم فتكاته من الأعداء الوافرة إفناء وسحقا ، وأذاقتهم حملات جيوشه وبال أمر من عاضد باطلا وعاند حقّا ، وجعلتهم شفار سيوفه الباترة في التّنائف ( 3 ) حصيدا ، ورمت بالإرغام والإضراع معاطسهم وخدودهم بعد أن عمروا شمّا وصيدا ، وقصّد بمواضيها أشلاءهم ودماءهم فألجم غروبها وسقى ، وكشف بلوامعها عن الدولة الفاطمية من معرّتهم جنحا عاتما وغسقا ، وكفل أمورهم فأحسن الإيالة والكفالة ، وأعادها إلى أفضل ما تقدّم لها من القوّة والفخامة والجلالة ، ونظر أحوالها فقوّم كلّ معوجّ وعدّل كلّ مائل ، وحباها ملبس جمال تقبح عند بهجته ملابس الخمائل . ولمّا أباد عصب العناد ، عطف على الاجتهاد في الجهاد ، فجابت جحافله متقاذف الأقطار ، ونالت من الفتك بالكفرة في أقصى بلادها نهاية الأوطار ، وانتزعت منهم الحصون ، واستباحت الممنّع المصون ، حتّى أصارت جلدهم المشهور فشلا ، وفيض إقدامهم المذكور وشلا ( 4 ) ، وشمل الأمة بسيرة عرفت
هامش
( 1 ) تطامن : انخفض . ( 2 ) الأصمع : الذكيّ المتوقّد . ( 3 ) التنائف : جمع تنوفة وهي الفلاة لا ماء فيها ولا أنيس . ( 4 ) الوشل : الماء القليل يتحلَّب من جبل أو صخرة ولا يتصل قطره .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 340 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين