تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وملاك ذلك كلَّه في إسباغ العدل الذي جعله اللَّه ثالث الحديث والكتاب ، وأغنى بثوابه وحده عن أعمال الثواب ، وقدّر يوما منه بعبادة ستّين عاما في الحساب ، ولم يأمر به آمر إلا زيد قوّة في أمره وتحصّن به من عدوّه ومن دهره ؛ ثم يجاء به يوم القيامة وفي يديه كتابا أمان ، ويجلس على منبر من نور عن يمين الرحمن ؛ ومع هذا فإن مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلا من أمسك عنان نفسه قبل إمساك عنانه ، وغلبت لمّة ( 1 ) ملكه على لمّة شيطانه ، ومن أوكد فروضه أن يمحي السّنن السيئة التي طالت مدد أيّامها ، ويئس الرّعايا من رفع ظلاماتها فلم يجعلوا أمدا لانحسار ظلامها ؛ وتلك هي المكوس التي أنشأتها الهمم الحقيرة ، ولا غنى للأيدي الغنيّة إذا كانت ذا [ ت ] ( 2 ) نفوس فقيرة ؛ وكلَّما زيدت الأموال الحاصلة منها قدرا زادها اللَّه محقا وقد استمرّت عليها العوائد حتّى ألحقها الظالمون بالحقوق الواجبة فسمّوها حقّا ؛ ولولا أنّ صاحبها أعظم الناس جرما لما أغلظ في عقابه ، ومثّلت توبة المرأة الغامديّة بمتابه ؛ وهل أشقى ممن يكون السواد الأعظم له خصما ، ويصبح وهو مطالب منهم بما يعلم وبما لم يحط به علما . وأنت مأمور بأن تأتي هذه الظَّلمات فتنحي على إبطالها ، وتلحق أسماءها في المحو بأفعالها ، حتّى لا يبقى لها في العيان صور منظورة ، ولا في الألسنة أحاديث مذكورة ؛ فإذا فعلت ذلك كنت قد أزلت عن الماضي سنّة سوء سنّتها يداه ، وعن الآتي متابعة ظلم وجده طريقا مسلوكا فجرى على مداه ؛ فبادر إلى ما أمرت به مبادرة من لم يضق به ذراعا ، ونظر إلى الحياة الدّنيا بعينه فرآها في الآخرة متاعا ، واحمد اللَّه على أن قيّض لك إمام هدى يقف بك على هداك ، ويأخذ بحجزتك عن خطوات الشيطان الذي هو أعدى عداك ؛ وهذه البلاد المنوطة بنظرك تشتمل على أطراف متباعدة ، وتفتقر في سياستها إلى أيد مساعدة ، وبهذا تكثر فيها قضاة الأحكام ، وأولوا تدبيرات السّيوف والأقلام ؛ وكلّ من هؤلاء ينبغي أن يفتن على نار الاختبار ، ويسلَّط عليه شاهدا عدل من أمانة الدّرهم
هامش
( 1 ) اللَّمة : الشدّة والقوّة . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن المثل السائر .