ولاته متأدّبين بآدابه ، وجارين على نهج صوابه ، وإذا تطايرت الكتب يوم القيامة كانت حسناته مثبتة في كتابه .
وبعد هذه الوصية فإنّ هاهنا حسنة هي للحسنات كالأمّ الولود ، ولطالما أغنت عن صاحبها إغناء الجنود ، وتيقّظت لنصره والعيون رقود ، وهي التي تسبغ لها الآلاء ، ولا يتخطَّاها البلاء ، ولأمير المؤمنين بها عناية تبعثها الرحمة الموضوعة في قلبه ، والرغبة في المغفرة لما تقدّم وتأخّر من ذنبه ، وتلك هي الصدقة التي فضّل اللَّه بعض عباده بمزيّة إفضالها ، وجعلها سببا إلى التعويض عنها بعشر أمثالها .
وهو يأمرك أن تتفقّد أحوال الفقراء الذين قدرت عليهم مادّة الأرزاق ، وألبسهم التعفّف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق ، فأولئك أولياء اللَّه الذين مسّتهم الضرّاء فصبروا ، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذ نظروا ، وينبغي أن يهيّىء لهم من أمرهم مرفقا ، ويضرب بينهم وبين الفقر موبقا .
وما أطلنا لك القول في هذه الوصية إلا إعلاما بأنها من المهمّ الذي يستقبل ولا يستدبر ، ويستكثر منه ولا يستكثر ، وهذا يعدّ من جهاد النفس في بذل المال ، ويتلوه جهاد العدوّ الكافر في مواقف القتال ؛ وأمير المؤمنين يعرّفك من ثوابه ما تجعل السيف في ملازمته أخا ، وتسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا ؛ ومن صفاته أنه العمل المحبوّ بفضل الكرامة ، الذي ينمي أجره بعد صاحبه إلى يوم القيامة ، وبه تمتحن طاعة الخالق على المخلوق ، وكلّ الأعمال عاطلة لا خلوق لها وهو مختصّ دونها بزينة الخلوق ( 1 ) ، ولولا فضله لما كان محسوبا بشطر الإيمان ، ولما جعل اللَّه الجنة له ثمنا وليست لغيره من الأثمان ؛ وقد علمت أن العدوّ هو جارك الأدنى ، والذي يبلغك وتبلغه عينا وأذنا ، ولا يكون للإسلام نعم الجار حتّى تكون له بئس الجار ، ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار ؛ وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاه مكافحا ، أو تطرق
هامش
( 1 ) الخلوق والخلاق : ضرب من الطيب أعظم أجزائه الزعفران .