تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
يقنط ، ولا لمسيء أن يستوحش ، لا سيّما إذا أتبع الذّنب بالاستقالة والاستغفار ، والاعتذار والإقلاع ، وعلى الخصوص إذا كانت الخيانة عند من لا يتعاظمه عفوها ، ولا يضيق حلمه عنها ، فإن كلّ كبيرة توجب المخافة ، تغرق في بحر عفو الخلافة ، فيجب أن يقرّر بسعادته ذلك في نفسه ، ويخرج سوء الظَّنّ والاستشعار من خياله ، فإن مثله من خلصان المماليك لا يسمح به ، ولا يشغب عليه عند هفوة بادرة . والثالث الانقباض والحياء . فإنه ربّما يقول في نفسه : بأيّ وجه ألقى مولاي ؟ وبأيّ عين أبصر مواطن الدّار العزيزة ؟ ربّاني وأنشاني ! . وهذا أيضا لا يصلح خطوره بباله في هذا المقام ، فإنّه من ضعف النّحيزة ، والميل مع خوادع الطَّبع ، عن نصائح العقل والشّرع ، فإن الحياء اتباع زلَّة القدم بالنّدم والاعتذار ، لا ( 1 ) التّهوّك في اللَّجاج والإصرار . فقد قال بعض الملوك لخصيص من خواصّه ، عصاه في شيء من أمره : « بأيّ عين تلقاني وقد عصيت أمري ؟ » فقال : « بالعين التي ألقى بها ربّي في الصّلوات الخمس ، وهو سبحانه يراني على فواضح المعاصي » . وقد أثنى اللَّه سبحانه على من أذنب ثم تاب ، وشرد عن طاعته ثم أناب . وبحمد اللَّه تعالى ما جرى ما يقتضي فرط الاستشعار . هل هو إلا عبد خاف بادرة مولاه ، فتنحّى من مكانه إلى أن يعطف عليه برحمته ؟ وليس هذا ببديع ، ولا من الصّفح ببعيد . على أنه بسعادته لو أنصف من نفسه لما استشعر . فكم أخرجت الخزائن الشريفة عليه من الأموال حتّى نبت عرقه ، وأورق غصنه ، وكبر شأنه ، وجميع ضمان البصرة عشر معشار ذلك . والرابع إصغاؤه - والعياذ باللَّه - إلى قول من لا ينصحه ، ويغويه ولا يرشده ، ويتقرّب إليه بمتابعة هواه . وهذا ما لا يخفى عن لمحة النّاقث ، ولا يحتاج الإعراض عنه إلى باعث ، فقديما قيل : « صديقك من نهاك ، وعدوّك من أغراك »
هامش
( 1 ) في الأصل « بل » ولا معنى لها . حاشية الطبعة الأميرية .