تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
الملك الذي ظنّ أنّ أمره إليه صائر ؛ لكنه مع كونه قد اقتحم في فعلته هذه الأهوال ، وتوهّم أنه قد حصل بمكره على بلوغ بعض الآمال ، فإنه ما سلَّم وللَّه الحمد والمنّة حتّى ودّع ، ولا أقبل سحاب استيلائه حتّى أقشع ، بما قدّره اللَّه تعالى لحضرة الأمير من نصرته ، وعوده إلى محلّ أمره وإمرته . وأنه آثر اطَّلاع علومنا الشريفة على هذه الواقعة ، لما يعلم من تأكيد المودة التي غدت حمائهما على أفنان المحبّة ساجعة ؛ وقد علمنا هذا الأمر ، وشكرنا جميل محبّته التي لم ينسج على منوالها زيد ولا عمرو ، وابتهجنا بما يسّره اللَّه تعالى له من ذلك ، وانتهزنا فرص السّرور بما منحه اللَّه من ظفره المتقارب المتدارك ، وحمدنا اللَّه تعالى على تأييد هذه العصابة الإسلاميّة ، وما منّ به من عود شمس هذا الأفق الغربيّ إلى مطالعها السنيّة ؛ ولا جرم أن كانت له النّصرة ، والاستيلاء والقدرة : لأن اللَّه تعالى قد تكفّل سبحانه لأوليائه بمزيد التكريم والتعزيز ، إذ قال عز وجل : * ( ذلِكَ ومَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِه ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْه لَيَنْصُرَنَّه الله ) * ( 1 ) * ( إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) * * . وأما غير ذلك ، فقد وصل رسول الحضرة العلية إلينا وتمثل بمواقفنا المعظَّمة ، ومحالّ مملكتنا المكرّمة ؛ وأقبلنا عليه ، وضاعفنا الإحسان إليه ، وأدّى إلينا ما تحمّله من المشافهة الكريمة ، ورسائل المحبّة والمودّة القديمة ؛ فرسمنا بإجابة قصده ، وتوفير برّه ورفده ، وقضاء شغله الذي حضر فيه ، وتسهيل مآربه بمزيد التنويل والتنويه ، ومسامحة الحضرة العلية بما يتعيّن على ما قيمته ألفا دينار مصرية حسب ما عيّنه رسوله المذكور ، ولو كان سألنا أضعاف ذلك لأجبنا سؤاله من غير تروّ ولا فتور . وقد جهّزنا إليه صحبته ما أنعمت به صدقاتنا الشريفة عليه من الدّرياق ودهن البلسان ( 2 ) ، فليتحقّق ماله عندنا من المكانة والمحلّ الرفيع الشان ؛ وقد أعدنا رسوله المذكور إلى جهته الكريمة بهذا الجواب الشريف ،
هامش
( 1 ) الحج / 60 . ( 2 ) الدرياق : هو الترياق ، مضاد للسمّ . والبلسان : شجر له زهر أبيض صغير كهيئة العناقيد ، ويستخرج من بعض أنواعه دهن عطر ينبت بعين شمس بظاهر القاهرة .