تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
الحرمين الشريفين الذين اتّفق لهم مع التّتار ما تشهد به التواريخ ، ومن عادتنا وشأننا وطباع جنسنا أننا لا نسلَّم ضيفنا ولا نزيلنا ولا من استجار بنا لأحد . وإن كنت ما تصدّق ذلك فعندك من هم من جنسنا ، سلهم يعرّفوك ، فنحن لا يضام لنا نزيل ، ونقري الضيف ونعامله بالجميل ، وهذه جبلَّتنا الغريزيّة وعادة أصلنا الأصيل ؛ فإرسال القان أحمد إليك أمر مستحيل .
إنّا ذوو الفضل الغزير الوارف أبوابنا هي ملجأ للخائف ! نقري الضّيوف ولا يضام نزيلنا ، شيم ورثنا فضلها عن سالف ! وكليمة تكفي الذي هو عاقل ، والرّمز تصريحا غدا للعارف !
وقولك : إن العادة كانت جارية بين من سلف من ملوك الإسلام وملوك التتار ، أنّه من هرب من جهة إلى أخرى يمسكه الملك الذي يهرب إليه ويقيّده ويجهّزه إلى الملك الذي هرب من عنده ، وأن دمرداش بن جوبان لما هرب في الزمن الماضي من ملكه وجاء إلى سلطان مملكتنا المعظَّمة المشرّفة ، أمسكه وقيّده وأرسله إليه ، فقد علمناه ، وليس هذا الذي قلته وحكيته بصحيح ، لأن الذي وقع واتّفق بخلافه : وهو أنّ أميرا من أمراء السلطان الملك الناصر كان يسمّى قراسنقر ، هرب من عنده وراح إلى أبي سعيد فقطع رأسه ، وجهّزه إلى الملك الناصر . وأما دمرداش المذكور فالملك الناصر ما أرسله إلى أبي سعيد مثل ما قلت وما مات دمرداش المذكور إلا في مصر المحروسة ، فليكن ذلك في علمك ثابتا ؛ وعلى كلّ حال فكلامك حجة عليك لا لك : لأنّك قد آويت شكر أحمد وأرغون السلامي وأكرمتهما وقرّبتهما ، وكذلك كلّ من حضر إليك من مماليكنا ورعايانا وخدمنا من أهل مملكتنا ، فلو أمسكتهم وقيّدتهم وجهّزتهم إلينا ، كنت تكون صادقا في قولك ، وكنت إذا طلبت منا أحدا ما تلام على طلبه ، فكيف وأنت البادي والمعتمدي ؟ فهذا الكلام كلَّه شاهد عليك لا لك .