وأما ما ذكرته من افتتاحك الجزيرة المعروفة بجربة ( 1 ) لما شرحته من عدوان أهلها ، وعدولهم عن طرق الخيرات وسبلها ، واجترائهم في الطَّغيان على أسباب لا يجوز التغافل عن مثلها ، واستعمالهم الظَّلم تمرّدا ، وتماديهم في الغيّ تباهيا في الباطل وغلوّا ، يأسا من الجزاء لمّا استبطأوه ، فإنّ من كانت هذه حالته حقيق أن تكون الرحمة عنه نائية ، وخليق أن يأخذه اللَّه من مأمنه أخذة رابية ، كما أنه من كان من أهل السلامة ، وسالكا سبيل الاستقامة ؛ ومقبلا على صلاح شانه ، وغير متعدّ للواجب في سرّه وإعلانه ؛ تعيّن أن نوفّر من الرعاية سهمه ، ونجزل من العناية نصيبه وقسمه ، ويؤمّن مما يقلقه ويزعجه ، ويقصد بما يسرّه ويبهجه ، ويصان عن أن يناله مكروه ، ويحمى من أذى يلمّ به ويعروه .
وأما شكرك لوزيرك الأمير تأييد الدولة وعضدها عزّ الملك وفخره نظام الرّياسة ، أمير الأمراء ، فإنّ من تهذّب بتهذيبك ، وتخلَّق بأخلاقك وتأدّب بتأديبك ، لا ينكر منه إصابة المرامي ، ولا يستغرب عنده نجح المساعي .
وواجب عليه أن لا يجعل قلبه إلا مثوى للنصائح ، وأن لا يزال عمره بين غاد في المخالصة ورائح .
وأما المركب العروس ووصول كتاب وكيله ذاكرا ما اعتمده مقدّم أسطولك من صونه وحمايته ، وحفظه ورعايته ، وإعادة ما كان أخذ منه قبل المعرفة بأنه جار في الديوان الخاص الحافظي ، ففعل يجمل عنك صدره ، ويليق بك أن ينسب إليك ذكره وخبره ، ويدلّ على علم أصحابك برأيك وإحكام معاقدة المودّة ، ويعرب عن إيثارك إبرازها كلَّما تقادم عهدها في ملابس بهجة مستجدّة ، وهذا الفعل من خلائقك الرضية غير مستبدع ، وقد ذخرت منه عند أمير المؤمنين ما حصل في أعز مقرّ وأكرم مستودع . لا جرم ( 2 ) أن أوامره خرجت إلى مقدّمي
هامش
( 1 ) جربة ، بكسر الجيم وسكون الراء : جزيرة بالمغرب من ناحية إفريقية ، على مقربة من قابس ، وفيها بساتين كثيرة . معجم البلدان ( ج 2 ص 118 ) .
( 2 ) لا جرم : لا بدّ .