النصيحة ، وابتداء التوبة الصحيحة ، والعمل بثبوت الإيمان في هذه العاجلة الفسيحة ، إلَّا ما تحبّونه في ذات اللَّه تعالى من الأمنة والدّعة ، والكرامة المتّسعة والمكانة المرفّعة ، والتنعّم بنعيم الراحة المتصلة والنفس الممتنعة . فنحن لا نريد لكم ولسائر من نرجو إنابته ، ونستدعي قبوله وإجابته ، إلا الصّلاح الأعمّ ، والنجاح الأتمّ . وتأملوا - سدّدكم اللَّه - من كان بتلك الجزيرة - حرسها اللَّه - من أعيانها ، وزعماء شانها ، هل تخلَّص منهم إلى ما يودّه ، وفاز بما يدّخره ويعدّه ، إلا من تمسّك بهذه العروة الوثقى ، واستبقى لنفسه من هذا الخير الأدوم الأبقى ، وتنعّم بما لقي من هذا النعيم المقيم ويلقى ؟ وأما من أخلد إلى الأرض واتّبع هواه ، ورغب بنفسه عن هذا الأمر العزيز إلى ما سواه ، فقد علم بضرورتي المشاهدة والاستفاضة سوء منقلبه ، وخسارة مذهبه ومطَّلبه ، وتنقّل منه حادث الانتقام أخسر ما تنقّل به . وحقّ عليكم - وفقكم اللَّه ويسّركم لما يرضاه - أن تحسنوا الاختيار ، وتصلوا الادّكار والاعتبار ، وتبتدروا الابتدار . وما حقّ من انقطع إلى هذا الأمر الموصول الواصل ، وأزمع ما يناله من خيره المحوز الحاصل ، أن يناله منكم شاغل يشغله عن مقصوده ، ويحيط به ما يصرفه عن محبوبه ومودوده ، فقد كان منكم في أمر أهل بلنسية ( 1 ) حين إعلانهم بكلمة التوحيد ، وتعلَّقهم بهذا الأمر السعيد ما كان ، ثم كان منكم في عقب ذلك ما اعتمدتموه في أمر أهل لورقة ( 2 ) - وفّقهم اللَّه - حين ظهر اختصاصهم ، وبان إخلاصهم . وليس لذاك وأمثاله عاقبة تحمد ، فالخير خير ما يقصد ، والنجاة فيما ينزح عن الشر ويبعد . وإنا لنرجوا أن يكفّكم عن ذلك وأشباهه إن شاء اللَّه تعالى نظر موفّق ، ومتاع محقّق ، ويجذبكم إلى موالاة هذه الطائفة المباركة جاذب يسعد ، وسائق يرشد ، واللَّه يمنّ عليكم بما ينجّيكم ، ويمكَّن لكم في طاعته
هامش
( 1 ) بلنسية Valencia : مدينة مشهورة بالأندلس ، تقع شرقي قرطبة وتدمير ، بينها وبين البحر فرسخ . معجم البلدان ( ج 1 ص 490 - 491 ) .
( 2 ) لورقة بالضم ثم السكون ، والراء مفتوحة ، والقاف : مدينة بالأندلس من أعمال تدمير ، اشتهرت بالعنب . معجم البلدان ( ج 5 ص 25 - 26 ) .