تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
وخفاف الرّجال ، مع مفرّج بن دغفل بن جراح ، فأخذه قبضا وأتى به قودا أسيرا من غير عهد ، وذليلا من غير عقد ، واستولى أهل العساكر المنصورة ، والجيوش المظفّرة ، على مناخه وسواده ، وما كان فيه من مال وأثاث وكراع ( 1 ) وقناع ( 2 ) ، وقليل وكثير ، وجليل وحقير ، فحازوه واتّسعوا به ، وأكثروا من حمد اللَّه ، وانصرفوا إلى معسكرهم سالمين ، بالمغنم والظَّفر آمنين ، لم يكلم منهم أحد ، ولم ينقص لهم عدد . وكان جملة ما أتوا به معهم من رؤوس الفسقة زائدا على ألف رأس ، ومن أسراهم ثمانمائة أسير ، غير من استؤمن وقت الإيقاع بهم ، ولم يفلت من الفسقة إلا من هرب بحشاشة نفسه مع من لاءم التركيّ اللعين ، وصاحب عقده ومورّطه في هلاكه ، وقائده إلى نقماته ، وسائقه إلى موبقاته ( 3 ) ، وهو كاتبه المعروف بابن الحمارة . فلحق بطبريّة فقتل هو وجلّ من كان معه واحتزّ رأسه وأتي به ، فكملت النعمة ، وتمت الموهبة ، وتجدّد حمد أمير المؤمنين واتصل شكره ، لما أولاه من جليل عطائه ، وكريم حبائه ، وسنيّ آلائه . وكان ما آتاه اللَّه من عظيم آياته ، وأكبر شواهده ، واختصاص اللَّه إيّاه وانتخابه له . فالحمد للَّه ! ثم الحمد للَّه ! ثم الحمد للَّه ربّ العالمين على عطائه الهنيّ ، وحبائه السّنيّ ، وما أيّد أمير المؤمنين ، وأعزّ الدين ، وقمع المشركين ، إذ كان الفاسق اللعين ، التركيّ الغويّ المبين ، ثلَّة من ثللهم وركنا من أركانهم ، وحزبا من أحزابهم ، ووثنا من أوثانهم ، وطاغية من طواغيتهم . ولم يكن لهم في بلد المسلمين يد تصدّ عنهم بأس غيرهم ، ولا عضد يدفعون بها سواه . وأمير المؤمنين يرغب إلى اللَّه عز وجلّ أن يوزعه الشّكر على ما أولاه ، ويوجده سبيلا إلى بلوغ مبتغاه ، من إعزاز الملَّة والدّين ، وإحياء شريعة جدّه سيد المرسلين ، ومجاهدة التّرك والمشركين ، وقمع الظالمين والقانطين والمارقين ، حتّى يكون الدين كلَّه للَّه ، ويجمع القلوب على طاعته بإذن اللَّه .
هامش
( 1 ) الكراع : الخيل والبغال والبقر والغنم . ( 2 ) القناع : السلاح ، والجمع قنع بالضم . ( 3 ) الموبقات : المهالك .