تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
على شيء إلى أن بلغ طبريّة للذي تداخله من الفرق ( 1 ) ، واستولى عليه من القلق ، ولما سكن قلبه من الرّعب ، وحشاه من الرّهب ، بقصد أمير المؤمنين إيّاه وإغذاذه ( 2 ) السير في طلبه ومواصلته الأسباب ، ومتابعته الإدآب . ووصف أمير المؤمنين ما عليه عزمه في تتبّعه واقتفاء أثره ، والحلول بعقوته ( 3 ) حيث قصد وحلّ ، لثقته باللَّه ربّه ، وتوكَّله عليه ، وتفويضه إليه . ولم يزل جلّ وعز يولي أمير المؤمنين - بعد نفوذ كتابه - من عزّ يؤيده ، وظفر يؤكَّده ، ونصر يوطَّئه ؛ وآلاء يجدّدها ، ومواهب يتابعها ، وعدوّ يذلَّه ، ومناو يقلَّه ، وشارد يصرفه إلى طاعته ، ومارق يعيده إلى موالاته ، إلى أن تمّ له من ذلك ما واصل به حمد اللَّه عليه ، وتهيّأ له ما تواتر شكره له جل وعزّ فيه وكان مع ذلك مواصلا إلى . اللعين الإعذار ، ومتابعا الإنذار ، ومحذّرا له ما يعذر ، ومستدعيه إلى ما يختار ويؤثر ، وممنّيا له مما يمنّى به مثله من العفو عنه ، وتغمّد ما جرى منه ، والإقالة لعثرته ، والتجاوز عن هفوته ، والامتنان عليه بما رغب فيه من تقليده ناحية من نواحي الشام ، وإدرار الأرزاق عليه وعلى رجاله وأصحابه ، وإيثارة بالفضل الجليل ، واختصاصه بالطَّول الجزيل . فما نجح في الفاسق وعد ، ولا نجع فيه وعظ ، ولا وفّق إلى قبول حظ ، ولا أصغى إلى قبول تذكرة ، ولا أناب إلى تبصرة . وما زال جادّا في تهوّكه ( 4 ) ، متماديا على تمهّكه ( 5 ) ، جاريا على ضلالته ، سالكا سبيل عمايته ، مترددا في غوايته ، متلدّدا في جهالته ، مقدّرا أن بأس اللَّه لا يرهقه ، وسطوته لا تلحقه ، ورجزه لا يمحقه ، وذنوبه لا تزهقه ، وأجرامه لا توبقه . وما زال اللَّعين في خلال ذلك يبسط آمال العرب ويرجّيها ، ويرغَّبها ويمنّيها ؛ بأقوال كاذبة ، وآمال خائبة ، ومواعيد باطلة ، حتّى أصغى أكثرها إلى غروره ، وقبول إفكه
هامش
( 1 ) الفرق ، بالفتح : الفزع . ( 2 ) يقال : أغذّ السير وفي السير : أسرع . ( 3 ) العقوة : ما حول الدار ، والساحة والمحلة . ( 4 ) يقال تهوّك : تهوّر وتحيّر ووقع في الشيء في غير مبالاة . ( 5 ) التمهّك : اللجاجة والعناد إلى الفعل المزجور عنه .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 424 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين