تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
بعتاده واعتزّ بقياده واغترّ بأنّ الأرض له وما علم أنّ الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده ، فأمسك ومعه رؤوس أشياعه ، وحصرت بالخوف نفوس أتباعه - ومنهم الطنبغا . وقد أحاط العلم الشريف بكيفية وصوله وحقيقة الخبر وما قاساه في طريقه من العبر ، وداس عليه حتّى وصل من وخز الإبر . وكذلك من جاء معه ، وخلَّف وراءه الحقّ وتبعه ، بعد الهزيمة التي ألجأهم إليها خوف العساكر المنصورة التي قعدت لهم على الطريق وأخذت عليهم بمدارج أنفاسهم في فم المضيق ، وعبّئت لهم صفوف الرجال ، وأعدّت لهم حتوف الآجال ، وحيّرتهم في سعة الفجاج ، وأرتهم بوارق الموت في سحب العجاج . ثم لم يصلوا إلا وهم أشلاء ممزّقة ، وأعضاء مفرّقة قد فني تحتهم الظهر ، وقني بيومهم الدّهر ، وساقتهم سعادة سلطان المقام العالي إلى شقاوتهم وهم رقود ، وعبّئت لهم الخيل والخلع إلا أنها ملابس الذّلّ وهي القيود . فأخذوا جميعا ومن كانوا على موالاته ، وفارقوا الجماعة لمواتاته ، وحملوا إلى الحبس النائي المكان ، وأودعوا أحياء في ملحده إلَّا أنهم كالأموات ، وقد نالوا المقصد إلا أنهم ما أمنوا الفوات . ووكَّل بحفظهم إلى أن يشرّف سرير الملك بقعود مقامه وعقود أيّامه الحوالي ، وسعود زمانه الذي لا يحتم بالنجوم إلا خدم الليالي . وهذا النصر إنما تهيّأت - وللَّه الحمد - أسبابه ، وهذا الفتح إنما فتحت بمشيئة اللَّه أبوابه ، بمنّة اللَّه ونيّة المقام العالي لا بمنّة أحد ، ولا بمنّة بأس من أقدر ولا يأس من حجر ، وما قضى اللَّه به من سعادة هذه الأيام ، ومضى به القدر السابق وعلى اللَّه التمام ، وبمظافرة الجناب الكريم السّيفيّ ، قطلوبغا الفخريّ الساقي الناصريّ ، أدام اللَّه نصرته لهذه العصابة المؤيّدة . وبمضاء عزائمه التي ماونت ، وقضاء قواضبه التي ما انثنت ، وبموازرة من التفّ عليه من أكابر الأمراء ، وبما أجمعوا عليه من مظافرة الآراء ، ونزولهم على النية لا يضرّهم من خذلهم ، ولا يهينهم من بذلهم ، ولا يبالون بعساكر دمشق المقيمة على حلب ومن مال إليهم ، وتمالأ معهم عليهم ، ومن انضاف إليهم من جنود البلاد ، وجيوش العناد ، ولا لواهم ما كان يبعث إليهم ذلك الخائن من وعيده ، ولا ولَّاهم