قال له دحية : هل تعلم أكان المسيح يصلَّي ؟ قال نعم ، قال : فإنّي أدعوك إلى من كان المسيح يصلَّي له ، وأدعوك إلى من دبّر خلق السماوات والأرض والمسيح في بطن أمه . فألزمه من صلاة المسيح أنه عبد للَّه تعالى ، وضمّن ذلك بيتا من أبيات له فقال : ( متقارب )
فقرّرته بصلاة المسيح
وكانت من الجوهر الأحمر !
ويحكى أن بعض ملوك الرّوم كتب إلى خليفة زمانه يطلب منه من يناظر علماء النّصرانية عنده فإن قطعهم أسلموا ؛ فوجّه إليه بالقاضي أبي بكر بن الطيّب المالكيّ ، وكان من أئمة علماء زمانه ؛ فلما حضر المجلس واجتمع لديه علماء النصارى ، قال له بعضهم : إنّ معتقدكم أنّ الأنبياء عليهم السّلام معصومون في الفراش ، وقد رميت عائشة بما رميت به . فإن كان ما رميت به حقّا ، كان ناقضا لأصلكم الذي أصّلتموه في عصمة الأنبياء في الفراش ، وإن كان غير حقّ كان مؤثّرا في إيمان من وقع منه . فقال القاضي أبو بكر : امرأتان حصينتان رميتا بالفرية ( 1 ) ، إحدهما لها زوج ولا ولد لها ، والأخرى لها ولد ولا زوج لها - يشير بالأولى إلى عائشة رضي اللَّه عنها ، وبالثانية إلى مريم عليها السّلام ، فسجدوا له على عادة تحيّتهم في ذلك ، إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى كثرة .
فإذا كان الرسول متمكَّنا من عقله ، عالما بما يأتي وما يذر ، كفى ملكه مؤونة غيبته ، وأجاب عن كل ما يسأل عنه ؛ وإذا كان بخلاف ذلك انعكست القضيّة ، ورجع على مرسله بالوبال . ثم إن اقتضى رأي الملك زيادة في الرسالة على الرسول الواحد فعل ؛ ليتعاونا على ما فيه المصلحة ، ويتشاورا فيما يفعلان ، فقد ذكر السهيليّ أن جبرا مولى أبي ذرّ الغفاريّ كان رسولا مع حاطب ابن أبي بلتعة إلى المقوقس . وإن اقتضى الحال إرسال أكثر من اثنين أيضا فعل ، فقد ذكر ابن الجوزيّ أن أبا بكر الصدّيق ، رضي اللَّه عنه ، في خلافته
هامش
( 1 ) الفرية : الكذب والقذف ، والجمع فرى .