بكر ولا عمر يلبسون ( 1 ) خواتم ولا يطبعون كتابا ، حتّى كتب زياد بن أبي سفيان إلى عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه : إنك تكتب إلينا بأشياء ليست لها طوابع ؛ فاتخذ عند ذلك عمر طابعا يطبع به ، وخزم ( 2 ) الكتاب ولم يكن قبل يخزم .
ومقتضى ذلك أن يكون أوّل من اتخذ الختم عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه ، ويكون لبسه خاتم النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لغير الختم . وذكر الطبريّ في تاريخه : أن أوّل من اتخذ ذلك معاوية بن أبي سفيان في خلافته ، وذلك أنه أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف من عند زياد ، ففتح الكتاب وجعل المائة مائتين ؛ فلما رفع زياد حسابه أنكر ذلك معاوية ، وطلب عمرا فحسبه حتّى قضاها عنه أخوه عبد اللَّه بن الزّبير واتخذ معاوية حينئذ ديوان الختم ، وخزم الكتاب ولم يكن قبل يخزم . قال القاضي وليّ الدين بن خلدون في تاريخه : « وديوان الختم عبارة عن الكتّاب القائمين على إنفاذ كتب السلطان . قال : وهذا الخاتم خاصّ بديوان الرسائل ، وكان ذلك للوزير في أيام الدولة العباسية . ويشهد لذلك قول الرشيد ليحيى بن خالد لما أراد أن يستوزر جعفرا ، ويستبدل به من الفضل أخيه : إني أحوّل الخاتم من يميني إلى شمالي ، فكنى بالخاتم عن الوزارة ، لانضمام ديوان الرسائل إلى الوزير إذ ذاك . ثم اختلف العرف بعد ذلك ، فصار ليس إليه الرسائل في الدولة .
ثم للختم ثلاث صور :
الصورة الأولى - أن يلصق رأس الكتاب بنوع من أنواع اللَّصاق ، كالكثيراء ( 3 ) المدافة ( 4 ) بالماء ، والنّشا المطبوخ ونحو ذلك . وهذا هو المستعمل بالديار المصرية وبلاد المشرق من قديم الزمان وهلمّ جرّا إلى زماننا ؛ والمستعمل بالدواوين هو النّشادون غيره ، لنصاعة بياضه وشدّة لصاقه . قال في « موادّ
هامش
( 1 ) استعمل صيغة الجمع للتعظيم أو أراد به ما فوق الواحد . حاشية الطبعة الأميرية .
( 2 ) تحدث المؤلف عن خزم الكتاب ص 343 من هذا الجزء فانظره .
( 3 ) الكثيراء : رطوبة تخرج من أصل شجرة تكون بجبال بيروت ولبنان .
( 4 ) المدافة : المبلولة أو المخلوطة بماء ؛ يقال : داف الدواء يدوفه : خلطه وبلَّه بماء ونحوه .