تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
أتعب مطلبا وأصعب مرتفى من الكتب الابتدائية ، وأن فيها تظهر مهارة الكاتب وحذقه ، لا سيما إذا كان الخطاب محتملا ( 1 ) للاعتذار والاعتلال عن امتثال الأوامر والنواهي ، والتّورية عن نصوص الأحوال ، والإعراض عن ظواهرها ، قائدا إلى استعمال المغالطة ، موجبا للانفصال عن الاحتجاج والإلزام ، ونحو ذلك مما يؤدّي إلى الخلاص من المكاره . واحتجّوا لترجيح ذلك بوجوه . منها - أن المبتديء محكَّم في كتابه ، يبتديء بألفاظه كيف شاء ، ويقطعها حيث يشاء ، ويتصرّف في التقديم والتأخير ، والحذف والإثبات والإيجاز والإسهاب ؛ ويبني على أساس يؤسسه لنفسه ، والمجيب ليس له تقديم ولا تأخير ، وإنما هو تابع لغرض المبتديء ، بان على أساسه . ومنها - أنّ المجيب - إذا كان جوابه محتملا للإشباع والتوسّع - مضطرّ إلى اقتصاص ألفاظ المبتديء واتّباعها للإجابة عنها ، وذلك يؤدّي إلى تصفّح كلام المبتديء والمجيب ويصل ما بين الكلامين ، لأن الكلامين يتقابلان فلا تخفى رتبتهما والفاضل منهما من الرّذل ، وهذا مرفوع عن المبتديء . ومنها - أن تأليف الكلام وانتظامه واتّساقه والتئامه يقدر منها المبتديء على ما لا يقدر عليه المجيب ؛ لأن الجواب يفصّل أجزاء الكلام ويبدّد نظامه ويقسّمه أقساما ، لمكان الحاجة إلى استئناف القول من الفصل بعد الفصل بقول وأمّا كذا وأمّا كذا ، فظهور الصورة المستحسنة ، في المتصل أكثر من ظهورها في المنفصل . أما إذا كان الجواب مقتضبا مبنيّا على امتثال مأمور ، أو انتهاء عن منهيّ عنه ، فإنه سهل المرام ، قريب المتناول ؛ لأنه إنما يشتمل على ذكر وصول الكتاب والعمل بما فيه .
هامش
( 1 ) أي حاملا ومشتملا . حاشية الطبعة الأميرية .