الجملة الثانية ( في بيان ترتيب الأجوبة )
واعلم أن للجواب حالتين :
الحالة الأولى - أن يكون الجواب من الرئيس إلى المرؤوس عما كتب به الرئيس إليه
، فالذي ذكره في « موادّ البيان » أن للرئيس أن يبني حكاية كتاب مرؤوسه إليه في جوابه على الاختصار ، ويجمع معانيه في ألفاظ وجيزة ، محيطة بما وراءها كأن يقول : وصل كتابك في معنى كذا وفهمناه .
الحالة الثانية - أن يكون الجواب من المرؤوس إلى الرئيس عما كتب به الرئيس إليه
، قال في « موادّ البيان » : والواجب في هذه الحالة أن يحكي فصول كتاب رئيسه على نصّها ويقصّها على وجهها من غير إخلال بشيء منها ، إعظاما لقدر الرئيس وإجلالا لخطابه . قال : وليس للمجيب إن مرّ في كتاب الرئيس بلفظة واقعة في غير موضعها أن يبدلها بغيرها ، لما في ذلك من الإشارة إلى أن هذا أصحّ من كتاب رئيسه في ألفاظه ومعانيه . قال : ولا يجوز الخروج عن حكاية لفظ رئيسه في كتابه بحال ، اللهم إلا أن يكون الكتاب الوارد على المجيب في معنى الشكر والتّقريظ من رئيسه له والثناء عليه في قيامه بالخدمة ، فإنه لا يجوز أن يأتي به على نصه ؛ لأنه يصير بذلك مادحا نفسه ، ومدح الإنسان نفسه غير سائغ ، ولا يجوز أن يهمل ذكره جملة ؛ لأنه يكون قد أخلّ بما يجب من شكره له على تشريف رتبته بإحماده له والثّناء عليه ، بل الواجب أن يوقع تلك الصفة على جملة تجعل نفسه بعضا منها ، مثل أن يقول : « فأما ما وصفه من اعتداده بخادمه في جملة من نهض بحقوق خدمته ، وقام بفرض طاعته ، فأهلَّه لما يرفع الأقدار من إحماده وثنائه ، ويعلي الأخطار من شكره ودعائه » وما يضاهي هذا من العبارة التي تشتمل على معاني ألفاظ رئيسه ، فإنه إذا قصد هذا السبيل في حكاية كتاب رئيسه في هذا المعنى ، فقد جمع بين البلاغة والإتيان على معاني ألفاظ رئيسه والأدب في ترك التفخيم لنفسه بإضافته لها إلى جملة الخاصّة دون إيقاع المدح عليها فقط .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 313
مساهمون: أحمد بن علي القلقشندي
ص٣١٣