تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
قصدوا ما شاكل زمانهم الذي استفاضت فيه علوم العرب ولغاتها ، حتّى عدّت في جملة الفضائل التي يثابر على اقتنائها ، والأمكنة التي نزلها ملوكهم من بلاد العرب ، والرجال الذين كانت الكتب تصدر إليهم ؛ وهم أهل الفصاحة واللَّسن والخطابة والشّعر . أما زمان بني العباس ، فإن الهمم تقاصرت عمّا كانت مقبلة على تطلَّبه فيما تقدّم من العلوم المقدّم ذكرها ، وشغلت بغيرها من علوم الدين ؛ ونزل ملوكهم ديار العراق وما يجاورها من بلاد فارس ، وليس استفاضة لغة العرب فيها كاستفاضتها في أرض الحجاز والشام . ومن المعلوم أن القوم الذين كانوا يكاتبون عنهم لا يجارون تلك الطبقة في الفصاحة والمعرفة بدلالات الكلام ؛ فانتقل كتّابها من اللفظ المتين الجزل ، إلى اللفظ الرّقيق السّهل ، وكذلك انتقل متأخّر والكتّاب عن ألفاظ المتقدّمين إلى ما هو أعذب منها وأخفّ ، للمعنى المتقدّم ذكره . قال : وحينئذ ينبغي للكاتب أن يراعى هذه الأحوال ، ويوقع المشاكلة بين ما يكتبه وبينها ، فإذا احتاج إلى إصدار كتاب إلى ناحية من النواحي ، فلينظر في أحوال قاطنيها ؛ فإن كانوا من الأدباء البلغاء العارفين بنظم الكلام وتأليفه ، فليودع كتابه الألفاظ الجزلة ، التي إذا حلَّيت بها المعاني زادتها فخامة في القلوب ، وجلالة في الصّدور ، وإن كانوا ممن لا يفرّق بين خاص الكلام وعامّه ، فليضمّن كتابه الألفاظ التي يتساوى سامعوها في إدراك معانيها ، فإنه متى عدل عن ذلك ضاع كلامه ، ولم يصل معنى ما كتب فيه إلى من كاتبه ؛ لأن الكلام البليغ إنما هو موضوع بإزاء أفهام البلغاء والفصحاء ، فأما العوامّ والحشوة ( 1 ) ، فإنما يصل إلى أفهامهم الكلام العاطل من حلى النّظم ، العاري من كسوة التأليف ، فيجب على الكاتب أن يستعمل في مخاطبة من هذه صورته أدنى رتب البلاغة وأقربها من أفهام العامة والأمم الأعجميّة إذا كتب إليهم . ثم قال : فأما الكتب المعتدّة عن السلطان ، فإنّ منها كتب الفتوحات
هامش
( 1 ) الحشوة من الناس : رذالهم ، يقال : هو من حشوة بني فلان أي من رذالهم .