ولربما أنكره بعد ذلك إما عنادا وإما جهلا لعدم الذوق السليم عنده ، ثم ذكر منه أمثلة ، منها لفظ شرنبثة ( 1 ) من قول الفرزدق :
ولولا حياء زدت رأسك شجّة
إذا سبرت ظلَّت جوانبها تغلى
شرنبثة شمطاء من يرما بها
يشبه ولو بين الخماسيّ والطَّفل
قال : فلفظة شرنبثة من الألفاظ الغريبة التي يسوغ استعمالها في الشعر ، وهي ها هنا غير مستكرهة ، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة ، لعيبت على مستعملها .
ومنها لفظة مشمخرّ ( 2 ) الواردة في أبيات بشر في وصفه لقاءه الأسد حيث قال :
وأطلقت المهنّد عن ( 3 ) يميني
فقدّ له من الأضلاع عشرا
فخرّ مضرّجا بدم كأنّي
هدمت به بناء مشمخرّا
وكذلك في قول البحتريّ في قصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى :
مشمخرّ تعلو له شرفات
رفعت في رؤوس رضوى وقدس
فإن لفظة مشمخرّ لا يحسن استعمالها في الخطب والمكاتبات ، ولا بأس بها في الشعر ؛ وقد وردت في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة ( 4 ) كقوله في خطبة يذكر فيها أهوال يوم القيامة : اقمطرّ ( 5 ) وبالها ، واشمخرّ نكالها ، فما طابت ولا ساغت .
ومنها لفظة الكنهور ( 6 ) من أوصاف السحاب كقول أبي الطَّيّب :
هامش
( 1 ) الشّرنبثة : الشديدة القبح ؛ وقيل الغليظة الكفين والرجلين . ( اللسان : 2 / 160 ) .
( 2 ) المشمخرّ : الجبل العالي ( اللسان : 4 / 429 ) .
( 3 ) في مقامات بديع الزمان الهمذاني بتعليق الشيخ محمد عبده : « وأطلقت المهندّ من الخ » .
( 4 ) هو عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة الفارقي . توفي بحلب سنة 374 ه . ( الأعلام : 3 / 347 ) .
( 5 ) يقال : اقمطرّ عليه الشيء أي تزاحم . واقمطرّ للشرّ أي تهيأ . ( اللسان : 5 / 116 ) .
( 6 ) الكنهور من السحاب هو المتراكب الثخين . ( اللسان : 5 / 153 ) .