وقال الخزرجي في تاريخ اليمن أنه لم يزل في ازياد من علو الجاه والمكان ونفوذ الشفاعات والأوامر على القضاة في الأمصار ورام في عام تسع وتسعين الوصول إلى مكة شرفها الله تعالى فكتب إلى السلطان ما مثاله ومما ينهيه إلى المعلوم الشريف ضعف العبد ورقة جسمه ودقة بنيته وعلو سنه وآل أمره إلى أن صار كالمسافر الذي تحزم وانتقل إذ وهن العظم والرأس اشتعل وتضعضع السن وتقعقع الشن فما هو إلا عظام في جراب وبنيان قد أشرف على الخراب وقد ناهز العشر التي تسميها العرب دقاقة الرقاب وقد مر على المسامع الشريفة غير مرة في صحيح البخاري من قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغ المرء ستين سنة فقد أعذر الله إليه فكيف من نيف على السبعين وأشرف على الثمانين ولا يجمل بالمؤمن أن يمضي عليه أربع سنين ولا يتجدد له شوق إلى رب العالمين وزيارة سيد المرسلين وقد ثبت في الحديث النبوي ذلك والعبد له ست سنين عن تلك المسالك وقد غلب عليه الشوق حتى فاق عمرو بن طوق ومن أقصى أمنيته أن يجدد العهد بتلك المعاهد ويفوز مرة أخرى بتلك المشاهد وسؤاله من المراحم العلية الصدقة عليه بتجهيزه في هذا العام قبل اشتداد الحر وغلبة الأوام فإن الفصل أطيب والريح أزيب وأيضا كان من عادة الخلفا سلفا وخلفا أنهم كانوا يبردون البريد لتبليغ سلامهم إلى حضرة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه فاجعلني جعلني الله فداك ذلك البريد فلا أتمنى شيئا سواه ولا أريد :
شوقي إلى الكعبة الغراء قد زادا * فاستحمل القلص الوخادة الزادا
واستأذن الملك المنعام زيد على * واستودع الله أصحابا وأولادا
فلما وصل كتابه إلى السلطان كتب على طرته ما مثاله إن هذا الشيء ما ينطق به لساني ولا يجري به قلمي فقد كانت بلاد اليمن عمياء فاستنارت
شذرات الذهب في أخبار من ذهب — صفحة 129
مساهمون: عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
ص١٢٩