Skip to main content

شذرات الذهب في أخبار من ذهب — Page 359

Contributors:

P.359
ونقلها ظهرا لبطن وتصرف فيها وخرج المسائل بعضها على بعض ولم يرض بتقليد والده من كل وجه حتى أخذ في تحقيق المذهب والخلاف وسلك طريق المباحثة والمناظرة وجمع الطرق بالمطالعة حتى أربى على المتقدمين وأنسى مصنفات الأولين توفي والده وهو دون العشرين سنة فأقعد مكانه للتدريس وكان يتردد إلى المشايخ في أنواع العلوم حتى ظهرت براعته ولما ظهر التعصب بين الأشعرية والمبتدعة خرج مع المشايخ إلى بغداد فلقى الأكابر وناظر فظهرت فطنته وشاع ذكره ثم خرج إلى مكة فجاور بها أربع سنين ينشر العلم ولهذا قيل له إمام الحرمين ثم رجع بعد مضى نوبة التعصب إلى نيسابور في ولاية ألب أرسلان السلجوقي ثم قدم بغداد فتولى تدريس النظامية والخطابة والتذكير والإمامة وهجرت له المجالس وانغمر ذكر غيره من العلماء وشاعت مصنفاته وبركاته وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو ثلاثمائة رجل من الطلبة والأئمة وأولاد الصدور وحصل له من القبول عند السلطان ما هو لائق بمنصبه بحيث لا يذكر غيره والمقبول من انتمى إليه وقرأ عليه وصنف النظامي والغياثي فقوبل بملء يليق به من الشكر والخلع الفائقة والمراكب الثمينة ثم قلد رعاية الأصحاب ورياسة الطائفة وفوض إليه أمر الأوقاف وسار إلى أصبهان بسبب مخالفة الأصحاب فقابله نظام الملك بما هو لائق بمنصبه وعاد إلى نيسابور وصار أكثر عنايته بنهاية المطلب في دراية المذهب وأودعه من التدقيق والتحقيق ما تعلم به مكانته من العلم والفهم واعترف أهل وقته بأنه لم يصنف في المذهب مثله وصنف الشامل في أصول الدين والإرشاد والعقيدة النظامية وغياث الأمم في الإمامة ومغيث الخلق في اختيار الأحق والبرهان في أصول الفقه وغيرها وكان مع رفعة قدره وجلالته له حظ وافر من التواضع فمن ذلك أنه لما قدم عليه أبو الحسن المجاشعي تلمذ له وقرأ عليه كتاب إكسير الذهب في صناعة الأدب من تصنيفه وقد تقدم انه حمل بين يدي