Skip to main content

شذرات الذهب في أخبار من ذهب — Page 317

Contributors:

P.317
يتحاماه الدهاء وجبار لا تأمنه الكماه متعسف اهتدى ومنبت قطع فما أبقى ضبط شأنه بين قائم وقاعد حتى طالت يده واتسع بلده وكثر عديده وعدده وكان قد أوتى أيضا من جمال الصورة وتمام الخلقة وفخامة الهيئة وسباطه البنان وثقوب الذهن وحضور الخاطر وصدق الحدس ما فاق على نظرائه ونظر مع ذلك في الأدب قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان أدنى نظر بأذكى طبع حصل لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها من غير تعمد لها ولا أمعان في غمارها ولا أكثار من مطالعتها ولا منافسة في اقتناء صحائفها أعطته سجيته على ذلك ما شاء من تحبير الكلام وقرض قطعا من الشعر وهي في معان أمدته فيها الطبيعة وبلغ فيها الإرادة واكتتبها الأدباء للبراعة جمع هذه الخلال الظاهرة إلى جود كف بارى السحاب بها وأخبار المعتضد في جميع أنحائه وضروب أفعاله بديعة وكان ذا كلف بالنساء فاستوسع في اتخاذهن وخلط في أجناسهن فانتهى في ذلك إلى مدى لم يبلغه أحد من نظرائه ففشا نسله لتوسعته في النكاح وقوته عليه فذكر أنه كان له من الولد نحو العشرين ذكورا ومن الإناث مثلهم وأورد له عدة مقاطيع فمن ذلك قوله : شربنا وجفن الليل يغسل كحله * بماء صباح والنسيم رقيق معتقة كالتبر أما بخارها * فضخم وأما جسمها فدقيق ولولده المعتمد فيه من جملة أبيات : سميدع يهب الآلاف مبتديا * ويستقل عطاياه ويعتذر له يد كل جبار يقبلها * لولا نداها لقلنا إنها الحجر ولم يزل في عز سلطانه واغتنام مساره حتى أصابته علة الذبحة فلم تطل مدتها ولما أحس بتداني حمامه استدعى مغنيا يغنيه ليجعل ما يبدأ به فألا فأول ما غنى : نطوي الليالي علما أن ستطوينا * فشعشعيها بماء المزن واسقينا فتطير من ذلك ولم يعش بعده سوى خمسة أيام وقبل انه ما غنى منها إلا خمسة