أن يفرض إليه مهاجرة وسفرة ويجب أن يكون أشرف هذه العبادات من وجه هو ما يفرض متوليه أنه مخاطب لله تعالى ومناج إياه وصائر إليه وماثل بين يديه وهذا هو الصلاة . فيجب أن يسن للمصلي من الأحوال التي يستعد بها للصلاة ما جرت العادة بمؤاخذة الإنسان نفسه به عند لقاء الملك الإنساني من الطهارة والتنظيف وأن يسن في الطهارة والتنظيف سننا بالغة وأن يسن عليه فيها ما جرت العادة بمؤاخذة نفسه به عند لقاء الملوك من الخشوع والسكون وغض البصر وقبض الأطراف وترك الالتفات والاضطراب وكذلك يسن له في كل وقت من أوقات العبادة آدابا ورسوما محمودة فهذه الأفعال ينتفع بها العامة من رسوخ ذكر الله تعالى والمعاد في أنفسهم فيدوم لهم التثبت بالسنن والشرائع بسبب ذلك فإن لم يكن لهم مثل هذه المذكرات تناسوا جميع ذلك مع انقراض قرن أو قرنين وينفعهم أيضا في المعاد منفعة عظيمة فيما تنزه به أنفسهم على ما عرفته .
وأما الخاصة فأكثر منفعة هذه الأشياء إياهم في المعاد وقد قررنا حال المعاد الحقيقي وأثبتنا أن السعادة في الآخرة مكتسبة بتنزيه النفس وتنزيه النفس يبعدها عن اكتساب الهيئات البدنية المضادة لأسباب السعادة وهذا التنزيه يحصل بأخلاق وملكات والأخلاق والملكات تكتسب بأفعال من شأنها أن تصرف النفس عن البدن والحس وتديم تذكيرها للمعدن الذي لها فإذا كانت كثيرة الرجوع إلى ذاتها لم تنفعل من الأحوال البدنية ومما يذكرها ذلك ويعينها عليه أفعال متعبة خارجة عن عادة الفطرة بل هي إلى التكلف أقرب فإنها تتعب البدن والقوى الحيوانية وتهزم إرادتها من الاستراحة والكسل ورفض العناء وإخماد الحرارة العزيزية واجتناب الارتياض إلا في اكتساب أغراض
الشفاء - الإلهيات — صفحة 445
مساهمون: أبو علي سينا
ص٤٤٥