هو الغضب وطالب الخير المظنون هو الظن وطالب الخير الحقيقي المحض هو العقل ويسمى هذا الطلب اختيارا . والشهوة والغضب غير ملائم لجوهر الجسم الذي لا يتغير ولا ينفعل فإنه لا يستحيل إلى حال غير ملاءمة فيرجع إلى حال ملاءمة فيلتذ أو ينتقم من مخيل له فيغضب . وعلى أن كل حركة إلى لذيذ أو غلبة فهي متناهية . وأيضا فإن أكثر المظنون لا يبقى مظنونا سرمديا .
فوجب أن يكون مبدأ هذه الحركة اختيارا وإرادة لخير حقيقي فلا يخلو ذلك الخير :
إما أن يكون مما ينال بالحركة فيتوصل إليه أو يكون خيرا ليس جوهره مما ينال بوجه بل هو مباين ولا يجوز أن يكون ذلك الخير من كمالات الجوهر المتحرك فينال بالحركة وإلا لانقطعت الحركة ولا يجوز أن يكون يتحرك ليفعل فعلا يكتسب بذلك الفعل كمالا كما من شأننا أن نجود لنمدح ونحسن الأفعال ليحدث لنا ملكة فاضلة أو نصير خيرين وذلك أن المفعول يكتسب لإكماله من فاعله ومحال أن يعود فيكمل جوهر فاعله فإن كمال المعلول أخس من كمال العلة الفاعلة والأخس لا يكسب الأشرف والأكمل كمالا بل عسى أن يهيىء الأخس للأفضل آلته ومادته حتى يوجد هو في بعض الأشياء عن سبب آخر .
وأما نحن فإن المدح الذي نطلبه ونرغب فيه هو كمال غير حقيقي بل مظنون والملكة الفاضلة التي نحصلها بالفعل ليس سببها الفعل بل الفعل يمنع ضدها ويهيىء لها . وتحدث هذه الملكة من الجوهر المكمل لأنفس الناس وهو العقل الفعال أو جوهر آخر
الشفاء - الإلهيات — صفحة 388
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٨٨