الذي مضى في كتاب النفس فهو لذلك يعقل الأشياء دفعة واحدة من غير أن يتكثر بها في جوهره أو تتصور في حقيقة ذاته بصورها بل تفيض عنه صورها معقولة وهو أولى بأن يكون عقلا من تلك الصور الفائضة عن عقليته ولأنه يعقل ذاته وأنه مبدأ كل شيء فيعقل من ذاته كل شيء .
واعلم أن المعنى المعقول قد يؤخذ من الشيء الموجود كما عرض أن أخذنا نحن عن الفلك بالرصد والحس صورته المعقولة وقد تكون الصورة المعقولة غير مأخوذة عن الموجود بل بالعكس كما أنا نعقل صورة بنائية نخترعها ثم تكون تلك الصورة المعقولة محركة لأعضائنا إلى أن نوجدها فلا تكون وجدت فعقلناها ولكن عقلناها فوجدت .
ونسبة الكل إلى العقل الأول الواجب الوجود هو هذا فإنه يعقل ذاته وما توجبه ذاته ويعلم من ذاته كيفية كون الخير في الكل فتتبع صورته المعقولة صورة الموجودات على النظام المعقول عنده لا على أنها تابعة اتباع الضوء للمضيء والإسخان للحار بل هو عالم بكيفية نظام الخير في الوجود وأنه عنه وعالم بأن هذه العالمية يفيض عنها الوجود على الترتيب الذي يعقله خيرا ونظاما .
وعاشق ذاته التي هي مبدأ كل نظام وخير من حيث هي كذلك فيصير نظام الخير معشوقا له بالعرض لكنه لا يتحرك إلى ذلك عن شوق فإنه لا ينفعل منه البتة ولا يشتاق شيئا ولا يطلبه . فهذه إرادته الخالية عن نقص يجلبه شوق وانزعاج قصد إلى غرض .
الشفاء - الإلهيات — صفحة 363
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٦٣