تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
كان تعالى منزّها عن الجسميّة ولواحقها من الجهة وتوجيه البصر إليه وإدراكه به وإنّما يرى ويدرك بحسب ما يمكن لبصيرة العقل لا جرم نزّهه عن تلك وأثبت له هذه . فقال : لا تدركه العيون . إلى قوله : بحقائق الإيمان . وأراد بحقائق الإيمان أركانه ، وهى التصديق بوجود اللَّه ووحدانيّته وسائر صفاته واعتبارات أسمائه الحسنى ، وعدّ من جملتها اعتبارات يدركه بها : أحدها : كونه قريبا من الأشياء ، ولمّا كان المفهوم من القرب المطلق الملامسة والالتصاق وهما من عوارض الجسميّة نزّه قربه تعالى عنها . فقال : غير ملامس فأخرجت هذه القرينة ذلك اللفظ عن حقيقته إلى مجازه وهو اتّصاله بالأشياء وقربه منها بعلمه المحيط وقدرته التامّة . الثاني : كونه بعيدا منها ، ولمّا كان البعد يستلزم المباينة وهي أيضا من لواحق الجسميّة نزّهه عنها بقوله : غير مباين . وقد سبق بيان ذلك مرارا فكان بعده عنها إشارة إلى مباينته بذاته الكاملة عن مشابهة شيء منها . الثالث : وكذلك قوله : متكلَّم بلا رويّة . وكلامه يعود إلى علمه بصور الأوامر والنواهي وسائر أنواع الكلام عند قوم ، وإلى المعنى النفسانيّ عند الأشعري ، وإلى خلقة الكلام في جسم النبيّ عند المعتزلة . وقوله : بلا رويّة [ لا برويّة خ ] . تنزيه له عن كلام الخلق لكونه تابعا للأفكار والتروّي . الرابع : وكذلك مريد بلا همّة تنزيه لإرادته عن مثليّة إرادتنا في سبق العزم والهمّة لها . الخامس : صانع بلا جارحة . وهو تنزيه لصنعه عن صنع المخلوقين لكونه بالجارحة الَّتي هي من لواحق الجسميّة . السادس : وكذلك لطيف لا يوصف بالخفاء ، واللطيف يطلق ويراد به رقيق القوام ، ويراد به صغير الحجم المستلزمين للخفاء ، وعديم اللون من الأجسام ، والمحكم من الصنعة . وهو تعالى منزّه عن إطلاقه بأحد هذه المعاني لاستلزام