هذا شأنهم في جعل الشعوب تسير خلف ما يرون وما يحددون ، فهذا النمرود بدل
أن يشكر الله على هذه النعمة وهذا الفضل راح يفرض نفسه على مشاعر الناس
وعقائدهم ، وما أن سمع بأن لإبراهيم ربا فوق ما يعبدون وما يتصورون ، عظم ذلك
عليه وأرسل إليه فأخذ يحاجه في ربه .
* ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي
يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت ) *
فهذه المواجهة كشفت لنا عن أمرين :
الأول : - مغالطة النمرود لإبراهيم
الثاني : - مستوى الحاضرين الفكري
وكلا الشقين واضح ، أما الأول فإن نمرود غالط عندما قال : ( أنا أحيي وأميت ) وأنه
يعلم أن إبراهيم عندما وصف ربه بهذا الوصف لا يقصد منه ما أراد النمرود من
الإحياء والإماتة ، وأما الشق الثاني فلم يسجل لنا التاريخ اعتراض أحد من
الحاضرين على مغالطة النمرود وهذا بدوره أيضا يكشف عن شيئان جديدان وهما :
ا - أما لغلبة وقهر النمرود لهؤلاء بحيث لا يستطيعون الرد مهما كان الموقف حقا أو
باطلا .
ب - العقلية الضحلة التي تحكم المجتمع في فترة حكمه .
وكلا الأمرين كارثة إذا سيطر على شعب من الشعوب لما يرث من الجهل
والانحراف والتخلف المستمر .
فلنعد ثانيا إلى إبراهيم ( عليه السلام ) وماذا أجاب النمرود ؟ هل رد المغالطة أم اتبع حجة
أخرى أقوى من رد المغالطة وإيضاحها ؟
الجواب : - أنه أقام حجة أخرى أجلى وأوضح من رد المغالطة وكشف التلاعب
بالألفاظ .
* ( قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي
كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ) * ( 1 )
بهت لما في الحجة من قوة تجعل الخصم حائرا في أمره لا يدري ماذا يفعل وماذا
يقول ، فهذه المقابلة تعلمنا كيف نواجه أعداء الله إذا حاولوا المغالطة والتلاعب
هامش
( 1 ) البقرة : 258 .