شرح
لا إشكال في عدم كون الأوّل موضوعاً لحكم من أحكام الجاري ، فإنّ « الماء الجاري » وإن كان صادقاً عليه ولا يصحّ السلب عنه إلاّ أنّه منصرف عنه حتّى بنظر العرف ، فإنّ المنصرف إليه من لفظ « الماء الجاري » ما يكون جريانه بالملكة وهو بأن يكون له مادّة .
وأمّا الثاني والثالث فيظهر حكمهما من البحث في القسم الرابع .فنقول : المبحوث عنه في المقام فعلاً هو القسم الرابع وهو النابع السائل على وجه الأرض ، وهو لا ينجس بملاقاة النجاسة كما عن المشهور ; وقد نقل الإجماع على عدم الانفعال مطلقاً - سواء كان كرّاً أم لا - في محكيّ الخلاف والغنية والمعتبر والمنتهى ; وخالف في ذلك جمع من الأساطين كالعلاّمة ( قدس سره ) . وقال بعد نقل الإجماع في المنتهى : « والأقرب اشتراط الكرّيّة » كما عن مفتاح الكرامة ( 1 ) ، فيظهر منه عدم الاعتماد على الإجماع في المسألة ، ولعلّ وجهه معلوميّة كون المدرك لهم الأدلّة الآتية الّتي ليست تامّةً بنظر العلاّمة ( قدس سره ) ، فالإجماع لا يكون حجّةً في المقام ، والظاهر كونه كذلك .
فالأولى صرف عنان الكلام إلى الأخبار الّتي يمكن استفادة الحكم منها .
فنقول : قد يستدلّ على الحكم بصحيحة داود بن سرحان : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : ما تقول في ماء الحمّام ؟ قال : « هو بمنزلة الماء الجاري » ( 2 ) .
بيان الاستدلال : أنّه بعد معلوميّة حكم ماء الحمّام وأنّه معتصم يستفاد منه اعتصام الجاري ، وإلاّ لم يكن التنزيل صحيحاً ، فالتنزيل دليل على مساواة حكم المنزّل والمنزّل عليه ، وإلاّ لم يكن التنزيل صحيحاً بنفسه أو بإطلاقه .
ويشكل أوّلاً بإجمال السئوال وأنّ المراد بقوله : « ما تقول » مجهول لم يعلم كون المسؤول عنه جهة الاعتصام ، فلعلّ المقصود جهة أخرى .
وثانياً بأنّه على فرض معلوميّة السئوال وكون المراد منه الاعتصام لا يدلّ الصحيح على اعتصام الجاري مطلقاً حتّى في ما لم يكن كرّاً ، فإنّ مقتضى التنزيل مساواة المنزّل
هامش
( 1 ) ج 1 ص 270 .
( 2 ) وسائل الشيعة : ج 1 ص 110 ح 1 من ب 7 من أبواب الماء المطلق .