تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سبل السلام — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
المواقيت ( فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة ) يحرمون ( من مكة ) بحج أو عمرة ( متفق عليه ) . فهذه المواقيت التي عينها صلى الله عليه وسلم لمن ذكره من أهل الآفاق ، وهي أيضا مواقيت لمن أتى عليها ، وإن لم يكن من أهل تلك الآفاق المعينة ، فإنه يلزمه الاحرام منها إذا أتى عليها قاصدا لاتيان مكة لاحد النسكين ، فيدخل في ذلك ما إذا ورد الشامي مثلا إلى ذي الحليفة فإنه يجب عليه الاحرام منها ، ولا يتركه حتى يصل الجحفة ، فإن أخر أساء ولزمه دم هذا عند الجمهور . وقالت المالكية : إنه يجوز له التأخير إلى ميقاته ، وإن كان الأفضل له خلافه ، قالوا : والحديث محتمل فإن قوله هن لهن ظاهره العموم لمن كان من أهل تلك الأقطار ، سواء ورد على ميقاته أو ورد على ميقات آخر فإن له العدول إلى ميقاته ، كما لو ورد الشامي على ذي الحليفة فإنه لا يلزمه الاحرام منها بل يحرم من الجحفة . وعموم قوله : ولمن أتى عليهن من غيرهن يدل على أنه يتعين على الشامي في مثالنا : أن يحرم من ذي الحليفة لأنه من غير أهلهن . قال ابن دقيق العيد : قوله : ولأهل الشام الجحفة يشمل من مر من أهل الشام بذي الحليفة ومن لم يمر وقوله : ولمن أتى عليهن من غير أهلهن يشمل الشامي إذا مر بذي الحليفة وغيره ، فههنا عمومان قد تعارضا انتهى ملخصا . قال المصنف : ويحصل الانفكاك بأن قوله : هن لهن ، مفسر لقوله مثلا : وقت لأهل المدينة ذا الحليفة وأن المراد بأهل المدينة ساكنوها ، ومن سلك طريق ميقاتهم فمر على ميقاتهم انتهى . قلت : وإن صح ما قد روي من حديث عروة أنه ( ص ) وقت لأهل المدينة ومن مر بهم ذا الحليفة تبين أن الجحفة إنما هي ميقات للشامي إذا لم يأت المدينة . ولأن هذه المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم ، فكل من مر بجانب من جوانبه لزمه تعظيم حرمته ، وإن كان بعض جوانبه أبعد من بعض . ودل قوله : ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ على أن من كان بين الميقات ومكة فميقاته حيث أنشأ الاحرام ، إما من أهله ووطنه ، أو من غيره . وقوله : حتى أهل مكة من مكة دل على أن أهل مكة يحرمون من مكة ، وأنها ميقاتهم ، سواء كان من أهلها أو من المجاورين أو الواردين إليها ، أحرم بحج أو عمرة . وفي قوله : ممن أراد الحج والعمرة ما يدل أنه لا يلزم الاحرام إلا من أراد دخول مكة لاحد النسكين ، فلو لم يرد ذلك جاز له دخولها من غير إحرام ، وقد دخل ابن عمر بغير إحرام ، ولأنه قد ثبت بالاتفاق أن الحج ، والعمرة - عند من أوجبها - إنما تجب مرة واحدة ، فلو أوجبنا على كل من دخلها أن يحج أو يعتمر لوجب أكثر من مرة ، ومن قال : إنه لا يجوز مجاوزة الميقات إلا بالاحرام إلا من استثنى من أهل الحاجات كالحطابين فإن له في ذلك آثارا عن السلف ولا تقوم بها حجة . فمن دخل مريدا مكة لا ينوي نسكا من حج ولا عمرة وجاوز ميقاته بغير إحرام ، فإن بدا له إرادة أحد النسكين أحرم من حيث أراد ولا يلزمه أن يعود إلى ميقاته . واعلم أن قوله : حتى أهل مكة من مكة يدل أن ميقات عمرة أهل مكة كحجهم ، وكذلك القارن منهم ، ميقاته مكة ولكن قال المحب الطبري : إنه لا يعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة ، وجوابه أنه ( ص ) جعلها ميقاتا لها بهذا الحديث ، وأما ما روي عن ابن عباس أنه قال : يا أهل