وجعل الأمر لا يزداد إلا شدة وكثر عندهم عدوهم وأظهروا أحاديثهم الكاذبة في
أصحابهم من الزور والبهتان ، فنشأ الناس على ذلك ولم يتعلموا إلا منهم ومضى على
ذلك قضاتهم وولاتهم وفقهائهم .
وكان أعظم الناس في ذلك بلاء وفتنه القراء المراءون المتصنعون ، الذين يظهرون
لهم الحزن والخشوع والنسك ، ويكذبون ويفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند
ولاتهم ويدنوا بذلك مجالسهم ويصيبوا بذلك الأموال والقطائع والمنازل . حتى
صارت أحاديثهم تلك ورواياتهم في أيدي من يحسب أنها حق وأنها صدق ، فرووها
وقبلوها وتعلموها وعلموها وأحبوا عليها وأبغضوا ، حتى جمعت على ذلك مجالسهم
وصارت في أيدي الناس المتدينين الذين لا يستحلون الكذب ويبغضون عليه أهله .
فقبلوها وهم يرون أنها حق ، ولو علموا أنها باطل لم يرووها ولم يتدينوا بها
ولا تنقصوا من خالفهم . فصار الحق في ذلك الزمان باطلا والباطل حقا والصدق كذبا
والكذب صدقا . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( لتشملنكم فتنة يربو فيها الوليد وينشأ فيها
الكبير ، يجري الناس عليها ويتخذونها سنة . فإذا غير منها شئ قالوا : أتى الناس
منكرا ، غيرت السنة )
فلما مات الحسن بن علي عليه السلام لم يزل الفتنة والبلاء يعظمان ويشتدان ، فلم يبق ولي لله
إلا خائفا على دمه أو مقتولا أو طريدا أو شريدا ، ولم يبق عدو لله إلا مظهرا حجته غير مستتر
ببدعته وضلالته .
كتاب سليم بن قيس الهلالي — صفحة 319
مساهمون: سليم بن قيس الهلالي الكوفي
ص٣١٩