بأنهم شاقوا الله ورسوله ، ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب . ما قطعتم من لينة أو
تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين " .
سبح سبحانه وتعالى نفسه الكريمة ، وأخبر أنه يسبح له جميع مخلوقاته العلوية
والسفلية وأنه العزيز ، وهو منيع الجناب فلا ترام عظمته وكبرياؤه ، وأنه الحكيم في
جميع ما خلق وجميع ما قدر وشرع ، فمن ذلك تقديره وتدبيره وتيسيره لرسول الله صلى الله
عليه وسلم وعباده المؤمنين في ظفرهم بأعدائهم اليهود الذين شاقوا الله ورسوله وجانبوا
رسوله وشرعه ، وما كان من السبب المفضى لقتالهم كما تقدم ، حتى حاصرهم المؤيد
بالرعب والرهب مسيرة شهر ، ومع هذا فأسرهم بالمحاصرة بجنوده ونفسه الشريفة
ست ليال ، فذهب بهم الرعب كل مذهب حتى صانعوا وصالحوا على حقن دمائهم
وأن يأخذوا من أموالهم ما استقلت به ركابهم ، على أنهم لا يصحبون شيئا من السلاح
إهانة لهم واحتقارا ، فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ، فاعتبروا
يا أولي الأبصار .
ثم ذكر تعالى أنه لو لم يصبهم الجلاء وهو التسيير والنفي من جوار الرسول من
المدينة لأصابهم ما هو أشد منه من العذاب الدنيوي وهو القتل ، مع ما ادخر لهم في
الآخرة من العذاب الأليم المقدر لهم .
ثم ذكر تعالى حكمة ما وقع من تحريق نخلهم وترك ما بقي لهم ، وأن ذلك كله سائغ فقال :
" ما قطعتم من لينة " وهو جيد التمر " أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله " إن
الجميع قد أذن فيه شرعا وقدرا ، فلا حرج عليكم فيه ولنعم ما رأيتم من ذلك ، وليس
هو بفساد كما قاله شرار العباد ، إنما هو إظهار للقوة وإخزاء للكفرة الفجرة .
وقد روى البخاري ومسلم جميعا عن قتيبة ، عن الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ،
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع ، وهي البويرة ، فأنزل
السيرة النبوية — صفحة 149
مساهمون: ابن كثير
ص١٤٩