يلتزمه من ورائه ويسوي عليه رداءه ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال : يا رسول الله
بعض مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك .
هكذا حكى السهيلي عن قاسم بن ثابت ، أن الصديق إنما قال : بعض مناشدتك
ربك ، من باب الاشفاق لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن
منكبيه فقال : بعض هذا يا رسول الله . أي : لم تتعب نفسك هذا التعب ، والله قد
وعدك بالنصر . وكان رضي الله عنه رقيق القلب شديد الاشفاق على رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
وحكى السهيلي عن شيخة أبى بكر بن العربي بأنه قال : كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم في مقام الخوف ، والصديق في مقام الرجاء ، وكان مقام الخوف في هذا
الوقت ، يعنى أكمل . قال : لان لله أن يفعل ما يشاء ، فخاف أن لا يعبد في الأرض بعدها ،
فخوفه ذلك عبادة .
قلت : وأما قول بعض الصوفية : إن هذا المقام في مقابلة ما كان يوم الغار . فهو قول
مردود على قائله ، إذ لم يتذكر هذا القائل عور ما قال ولا لازمه ولا ما يترتب عليه .
والله أعلم .
* * *
هذا وقد تواجه الفئتان وتقابل الفريقان ، وحضر الخصمان بين يدي الرحمن ،
واستغاث بربه سيد الأنبياء ، وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء ،
سامع الدعاء وكاشف البلاء .
فكان أول من قتل من المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي .
قال ابن إسحاق : وكان رجلا شرسا سيئ الخلق فقال : أعاهد الله لأشربن من
حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه . فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب ، فلما
السيرة النبوية — صفحة 412
مساهمون: ابن كثير
ص٤١٢