قلت : وفي عامها ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشهور ، وقيل كان قبل
مولده بسنين ، كما سنذكر إن شاء الله تعالى وبه الثقة .
ثم ذكر ابن إسحاق ما قالته العرب من الاشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نصر
الله فيها بيته الحرام ، الذي يريد أن يشرفه ويعظمه ، ويطهره ويوقره ببعثة محمد صلى الله
عليه وسلم وما يشرع له من الدين القويم ، الذي أحد أركانه الصلاة بل عماد دينه ،
وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة ، ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش
إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة ، فإن الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي
قريش ، وإنما كان النصر للبيت الحرام ، وإرهاصا وتوطئة لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم .
فمن ذلك ما قاله عبد الله بن الزبعرى السهمي :
تنكلوا ( 1 ) عن بطن مكة إنها * كانت قديما لا يرام حريمها
لم تخلق الشعرى ليالي حرمت * إذ لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الحبش ( 2 ) عنها ما رأى * فلسوف ينبي الجاهلين عليمها
ستون ألفا لم يئوبوا أرضهم * بل لم يعش بعد الإياب سقيمها
كانت بها عاد وجرهم قبلهم * والله من فوق العباد يقيمها
ومن ذلك قول أبى قيس بن الأسلت الأنصاري المدني :
ومن صنعه يوم فيل الحبوش * إذ كلما بعثوه رزم ( 3 )
محاجنهم تحت أقرابه * وقد شرموا أنفه فانخرم ( 4 )
وقد جعلوا سوطه مغولا * إذا يمموه قفاه كلم ( 5 )
فولى وأدبر أدراجه * وقد باء بالظلم من كان ثم
هامش
( 1 ) رويت أيضا : تنكبوا بالباء . ومعناها على كلا الروايتين : انصرفوا وارجعوا خوفا وهيبة .
( 2 ) ابن هشام : أمير الجيش .
( 3 ) رزم : أقام في مكانه لم يتحرك .
( 4 ) الأقراب جمع قرب بضمتين ،
وهو الخاصرة ، أو من الشاكلة إلى مراق البطن .
( 5 ) المغول : سكين كبيرة .