بيعة أهل الكوفة لابن الزبير وخروج ابن زياد عنها
قال : وذكروا عن بعض المشيخة من أهل العلم بذلك ، قالوا : كان ابن زياد أول من ضم
إليه الكوفة والبصرة ، وكان أبوه زياد كذلك قبله ، فلم يزل عبيد الله يتبع الخوارج ويقتلهم ،
ويأخذ على ذلك الناس بالظن ، ويقتلهم بالشبهة ، واستعمد إلى عامتهم ، وكان بعضهم له على
ما يحب . قال : فلما اختلف أمر الناس ، ومات يزيد ، وامتد سلطان ابن الزبير ، وغلظ شأنه
وعظم أمره ، وخلع أهل البصرة طاعة بني أمية ، وبايعوا ابن الزبير ، خرج عبيد الله بن زياد
إلى المسجد ، فقام خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أيها الناس ، إن الذي كنا نقاتل على
طاعته قد مات ، واختلف أمر الناس ، وتشتتت كلمتهم ، وانشقت عصاهم ، فإن أمرتموني عليكم
جبت فيكم ، وقاتلت بكم عدوكم ، وحكمت بينكم ، وأنصفت مظلومكم ، وأخذت على يد ظالمكم
حتى يجتمع الناس على خليفة . فقام يزيد بن الحارث بن رويم اليشكري وقال : الحمد الله الذي
أراحنا من بني أمية وأخزى ابن سمية ، لا والله ولا كرامة ، فأمر به عبيد الله فلبب ، ثم انطلق
به إلى السجن ، فقامت بكر بن وائل ، فحالت بينه وبين ذلك . ثم خرج الثانية عبيد الله بن زياد
إلى المنبر ، فخطب الناس ، فحصبه الناس ورموه بالحجارة وسبوه ، وقام قوم فدنوا منه ، فنزل
فاجتمع الناس في المسجد . فقالوا : نؤمر رجلا حتى تجتمع الناس على خليفة ، فاجتمع رأيهم
على أن يؤمروا عمرو بن سعد بن أبي وقاص وكان الذين قاموا بأمره هذا الحي الذي من كندة ،
فبينما هم على ذلك إذ أقبل النساء يبكين وينعين الحسين ، وأقبلت همدان حتى ملأوا المسجد ،
فأطافوا بالمنبر متقلدين السيوف ، وأجمع رأي أهل البصرة والكوفة على عامر بن مسعود
ابن أمية بن خلف ، فأمروه عليهم حتى يجتمع الناس ، وكتبوا إلى عبد الله بن الزبير يبايعونه ،
بالخلافة ، فأقره عبد الله بن الزبير عاملا عليهم نحوا من سنة ، واستعمل العمال في الأمصار ،
فبلغ أهل البصرة ما صنع أهل الكوفة ، فاجتمعوا وأخرجوا الرايات ، فلم يبق أحد إلا خرج ،
وذلك لسوء آثار عبيد الله بن زياد فيهم ، يطلبون قتله . ثم قام ابن أبي ذؤيب فقال : يا هؤلاء
من ينصر الله ينصر الكعبة ، من يغار على ابن سمية ، سارعوا أيها الناس إلى مغفرة من ربكم
وجنة عرضها السماوات والأرض ، واجتنبوا هذه الدعوة ، وأقيموا أود هذه البيعة ، فإنها بيعة
هدى ، فإنه من قد علمتهم عبد الله بن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته
وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق ، أما والله لو أن أبا بكر علم أنه بقي على الأرض من هو خير
منه وأولى بهذه البيعة ، ما مد يده ، ولا نازعته إليها نفسه ، أما والله لقد علمتم ما أحد على وجه
الأرض خير ولا أحق بها إلا هذا الشيخ عبد الله بن عمر ، المتبرئ من الدنيا ، المعتزل عن الناس
الكاره لهذا الأمر ، ثم خرجت الخوارج من سجون عبيد الله ابن زياد ، واجتمعوا على حدة ،
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 16
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٦